فلم ينظروا -على سبيل المثال- إلى أن هذه الواقعة -محلّ الاستنباط- صحيحة الإسناد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، سواء كان من قوله أو فعله أو تقريره، ولا يخفى عليكم أنّ كثيرًا من وقائع السيرة مُنقطعة الإسناد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، كذلك أكثرها مُرسل، نعم يَسلم لنا ولله الحمد الشيء الكثير، ولكن الذي يأتي ليستنبط حكمًا ما لا بد عليه أولًا أن يتأكد من صحة الإسناد واتّصاله بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا هو الذي لم يحدث من هؤلاء الخبراء من دعاة عصرنا.
النقطة الثانية: أنهم لم ينظروا إلى منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال، وخاصّة ذلك المنهج الذي وضّحه أهل المفهوم، فالواقعة وإن سُلٍّم بصحة إسنادها قد يكون دخللها التخصيص، أو دخلها التقييد، أو دخلها النسخ، إلى غير ذلك من وجوه الأدلّة الموجودة في مظانّها عند الأصوليين، فيأتي مَنْ يأتي ويأخذ الواقعة ولا ينظر لهذه الضوابط، ثم يستنبط منها حكمًا ما، ثمّ يريد أن يُخضِع الناس لهذا الحكم ويجعله هو الحق الذي لا حقّ غير، فهذا فيه خلل عظيم، وسيأتي معنا -إن شاء الله- عند شروعنا في أحداث السيرة نماذج كثيرة من هذا الفعل، وسوف ترون مدى الخلل العظيم الذي وَقَعَ فيه هَؤُلَاء الفُضَلَاء.
أمر آخر يتعلق بمنهج الاستدلال من السيرة؛ أنهم عَمَدُوا إلى بعض الوقائع وبتروها عن سياقها العام، هذه الواقعة لا تُفهم فهمًا صحيحًا إلا إذا وُضعت في سياقها العام، في سياق السيرة والأحداث المتكاملة، فيأتي من يأتي ويجرّدها ويفصلها عن سائر الأحداث؛ فتصبح متجرّدة عن السياق، وبالطبع الحكم الذي يبنى على هذا يكون فيه خلل كبير.
فقد تكون الواقعة قد جاءت على سبيل الاستثناء؛ فيجعلها هو القاعدة والأصل، وشتّان بين الأصل وبين الاستثناء، وقد تكون الواقعة قد جاءت على سبيل الضرورة فيجعلها هو الحكم العالم الكلّي، وقد تكون الواقعة جاءت على سبيل الرخصة فيجعلها هو على سبيل العزيمة، ممّا أوقع الكثير في الاضطراب وفي التناقض فضلًا عن الخطأ والخلل، وكما قلنا سوف نضرب أمثلة كثيرة عند حديثنا التفصيلي عن واقع السيرة.
المهم أن عملية استنباط الأحكام لها ضوابط تقيدها، ومصادر الأحكام معروفة عند أهل العلم في القديم الحديث؛ فالأحكام تُبنى أولًا على كتاب الله ثم على سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ثم على الإجماع ثم على القياس، وهناك مصادر أخرى مختلف فيها عند أهل العلم كالاستصحاب والاستحسان وقول الصحابي إلى غير ذلك.