فأما الشيخ ابن باز في كتابه نقد القومية العربية فقد علق حكم الدار على الأحكام التي تعلوها، حيث قال:"وكل دولة لا تحكم بشرع الله، ولا تنصاع لحكم الله، ولا ترضاه فهي دولة جاهلية كافرة، ظالمة فاسقة بنص هذه الآيات المحكمات، يجب على أهل الإسلام بغضها ومعاداتها في الله، وتحرم عليهم مودتها وموالاتها حتى تؤمن بالله وحده، وتحكم شريعته، وترضى بذلك لها وعليها، كما قال عز وجل: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَأَئُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} ".
فصل في تحول الدار من دار إسلام إلى دار كفر والعكس بالعكس
وعلى ما تقدم فقد تتحول دار الإسلام إلى دار كفر بمجرد ظهور أحكام الكفر فيها وكانت الغلبة والقوة لسلطان الكفر، وكذلك تتحول دار الكفر إلى دار إسلام إذا كانت الغلبة والقوة للمسلمين وظهور أحكام الشريعة فيها، ولا يلتفت إلى دين العامة وعقائدهم.
قال الإمام السرخسي:"عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى إنما تصير دارهم دار الحرب بثلاث شرائط: أحدها: أن تكون متاخمة أرض الترك ليس بينها وبين أرض الحرب دار للمسلمين، والثاني: أن لا يبقى فيها مسلم آمن بإيمانه، ولا ذمي آمن بأمانه، والثالث: أن يظهروا أحكام الشرك فيها، وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى إذا أظهروا أحكام الشرك فيها فقد صارت دارهم دار حرب ; لأن البقعة إنما تنسب إلينا أو إليهم باعتبار القوة والغلبة، فكل موضع ظهر فيه حكم الشرك فالقوة في ذلك الموضع للمشركين فكانت دار حرب، وكل موضع كان الظاهر فيه حكم الإسلام فالقوة فيه للمسلمين، ولكن أبو حنيفة رحمه الله تعالى يعتبر تمام القهر والقوة ; لأن هذه البلدة كانت من دار الإسلام محرزة للمسلمين فلا يبطل ذلك الإحراز إلا بتمام القهر من المشركين، وذلك باستجماع الشرائط الثلاث ; لأنها إذا لم تكن متصلة بالشرك فأهلها مقهورون بإحاطة المسلمين بهم من كل جانب، فكذلك إن بقي فيها مسلم أو ذمي آمن فذلك دليل عدم تمام القهر منهم، وهو نظير ما لو أخذوا مال المسلم في دار الإسلام لا يملكونه قبل الإحراز بدارهم لعدم تمام القهر، ثم ما بقي شيء من آثار الأصل فالحكم له دون العارض كالمحلة إذا بقي فيها واحد من أصحاب الخطة فالحكم له دون السكان والمشترين". [1]
فقد خالف أبو حنيفة تلميذاه ابو يوسف ومحمد بن الحسن كما ذكر السرخسي آنفًا وجعلا مناط الحكم على الدار باعتبار القوة والغلبة.
(1) المبسوط (10\ 114) .