ولأن كثيرًا من الناس تختلط في أذهانهم الأمور فيجعلون الحكم، واحدًا في الفرق، والأحزاب، والجماعات، والهيئات ولا يميزون بين تجمع مشروع وتجمع مبتدع وتجمع ضال منحرف، ولا يميزون كذلك بين الظروف والملابسات، وتغير الأحكام بتغير الزمان والمكان.
ومن أجل ذلك نبين هنا أن الجماعات على أقسام:
1 -جماعة ضالة اجتمعت على بدعة مكفرة وشذت عن إجماع الأمة أو كتاب الله أو سنة رسوله بشذوذ مكفر فهم كفار مارقون، وإن تسموا بمسمى الإسلام.
كالفرق الضالة المنحرفة الذين ابتدعوا عقائد، أو مناهج مخالفة لدين الإسلام، أو الذين خرجوا على المسلمين بالسيف كالخوارج المارقين ومن على شاكلتهم إلى يوم الدين.
2 -جماعة من أهل الإسلام اجتمعت على شيخ أو إمام أو عمل من الأعمال الصالحة، ولكنهم في اجتماعهم أخذوا من الإسلام وتركوا، وقدموا اجتهاد إمامهم وشيخهم على اجتهاد غيره كأتباع المذاهب المعروفة، أو كان منهم نوع تعصب لرأيهم ومنهجهم، أو بعض أمور مبتدعة لا تخرج من الدين، أو خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فلا شك أن جماعتهم مشروعة وفيهم من الحق بحسب ما التزموه، ومن الباطل بحسب ما أخذوه ولا شك أن مثل هذه الجماعة مشروعة لأن أصلها تعاون على البر والتقوى والدين والله يقول: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} . وهذه الجماعات على ما فيها من الابتداع فهي في حكم المجمع على مشروعيتها كالإجماع على جواز الاجتماع على إمام والتسمي باسمه واتخاذ مذهبه في الاجتهاد كما سميت الحنابلة، والشافعية، والمالكية، والحنفية، وكما كان لكثير من الصحابة والتابعين من أهل الفتيا تلاميذهم، وخواصهم، وكما كان لكثير من الشيوخ، كمسافر بن عدي الذي أثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعته في أول أمرهم، وعبدالقادر الجيلاني، ونحوهم كثير من السلف والدعاة والمصلحين، والأئمة ... ولا يضير هؤلاء بالطبع ما يقع من انحراف بعدهم في اتباعه فهذه سنة الله في الدعاة والمصلحين أنه تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما يؤمرون، وهؤلاء هم النصارى من شر أهل الأرض اليوم ويزعمون أنهم على دين عيسى عليه السلام، وهؤلاء اليهود اليوم هم شر الخلق والخليقة ومع ذلك يزعمون أنهم على دين موسى، وهل المسلمون اليوم يزعمون أنهم على دين محمد صلى الله عليه وسلم هم كذلك إلا من هدى الله منهم، والمهم أن انحراف الأتباع بعد مضي الزمان لا يدل على حرمة الاجتماع، وعلى أن الضلال والفساد كان منه.
3 -جماعة مهتدية قائمة بالحق على هدي الكتاب والسنة وإجماع الأمة ومنهج السلف الصالح. لا يتحركون إلا وفق أحكام الدين، ولا يجاهدون إلا على بصيرة كما كان شأن الجماعات