فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 144

أقول بأن التجارة نوع من أنواع الكسب الحلال والمستقل للدعاة، في مرحلة الدعوة التي تستمر وتتواصل، بينما يكون مصدر الرزق الأكبر والأهم للدعوة وللجماعة المسلمة هي ما أحل الله من غنائم أو فيء، يحصل عليه المجاهدون أثناء مزاولتهم لعبادة الجهاد، حيث جاء في الحديث الصحيح: (َجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي وَجُعِلَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

وفي هذه الفترة من السيرة النبوية المطهرة لم يكن مفروضًا على رسوله ولا على المسلمين أموال الغنائم بعد، وسنقف على هذه المسألة في وقتها ومكانها المناسبين بإسهاب.

* كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معروفًا بالصدق والأمانة في الأوساط التي يتحرك فيها، بل كان قدوة ومثلًا أعلى في هذا المجال، إلى درجة أنه كان محل ثقة وأمانة المجتمع كله، فكل الأمانات المادية كانت تودع في بيته، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على التمهيد الرباني لرسوله في المجتمع الذي سيُرسل إليه هاديًا ورسولًا، وهي من الصفات الأساسية التي ينبغي أن يتحلى بها الدعاة إلى الله تعالى، ليكون لهم القبول في الأرض.

فالقدوة الحسنة لها عظيم الأثر في النفوس، قد لا يحتاج الداعية إلى كثير حديث وكلام لتبليغ دعوته، فالناس تتأثر بالفعل أكثر مما تتأثر بالقول، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت 33] [فالعمل الصالح يسبق القول، بل لا قيمة لقول بلا عمل، وأدهى وأمر من ذلك وعيد من الله عز وجل لأصحاب هذا المذهب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) [الصف2 - 3] .

هذه الصفات الحميدة والأخلاق الرفيعة دفعت بخديجة رضي الله عنها أن تضع أموالها في أيدي النبي لكي يتاجر بها وقد اطمأنت إليه قبل أن تجربه أصلًا، فعامل الثقة يبنيه المرء بتعاملاته اليومية مع الناس وهو يُعتبر رأس مالك الحقيقي في المجتمع الذي تتحرك فيه، فالناس لا تسعهم بمالك بقدر ما تسعهم بأخلاقك، لأن المال يزول وينقضي بينما الأخلاق تبقى وتدوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت