قال: نعم، فخرجت، فجئت أدنى دار من دور مكة، سمعت غناء، وضرب دفوف، ومزامير، فقلت: ما هذا؟» فقالوا: فلان تزوج فلانة، رجل من قريش تزوج امرأة من قريش، فلهوت بذلك الغناء وبذلك الصوت حتى غلبتني عيني، فما أيقظني إلا حر الشمس فرجعت فقال: ما فعلت؟ فأخبرته، ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، ففعل، فخرجت، فسمعت مثل ذلك، فقيل لي مثل ما قيل لي، فلهوت بما سمعت حتى غلبتني عيني، فما أيقظني إلا مس الشمس، ثم رجعت إلى صاحبي فقال: فما فعلت؟ قلت: ما فعلت شيئًا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فوالله ما هممت بعدها بسوء مما يعمل أهل الجاهلية حتى أكرمني الله بنبوته» . [1]
وهذا الحديث يوضح لنا بعض الحقائق التي ينبغي الوقوف عليها:
أولًا: أن للبيئة أهمية كبرى في تربية النشء، فقد تكون سلاحًا ذو حدين في مجال التربية، إما معينًا للمربين من أجل بلوغ وتحقيق أهدافهم التربوية وإما سببًا في هدم كل جهودهم وتعطيل عامل الاستفادة لدى النشء الصاعد.
ومهما يبلغ المرء من درجات التقوى والصلاح فإنه معرض للفتنة والانحراف واتباع الشهوات ولا عاصم له من هذا كله سوى رحمة الله تعالى التي تتدخل في اللحظات الحاسمة لكي تبعد عنه السوء والفحشاء وتفادي السقوط فيهما.
ثانيًا: ضرورة اختيار الصحبة الصالحة والابتعاد عن الرفقاء السوء حتى لو كان نتيجة ذلك خسران بعض المكاسب المادية.
فلئن يخسر المرء ماديًا ويفوِّت منافع آنية خير من أن يخسر دينه وتكون هذه العلاقات سببًا في شقائه الأبدي. إذ ليس من السهل التخلص من شوائب الجاهلية التي تعلقت بالمرء في صغره، وعليه بالمقابل أن يتشبث بالرفقة الصالحة التي تعينه على دينه حتى لو لم يجد لديها بعض ما تشتهيه
(1) 1 - قال ابن حجر في المطالب العالية بعد أن ساق رواية إسحاق بن راهوية من طريق ابن إسحاق:"هكذا رواه محمد بن إسحاق في السيرة، وهذه الطريق حسنة جليلة، ولم أره في شيء من المسانيد الكبار إلا في مسند إسحاق هنا، وهو حديث حسن متصل ورجاله ثقات".