وهذا حبر الأمة وهو عبد الله بن عباس وبحرها الذي دعا له النبي -صلى الله عليه وسلم- بالفقه والتأويل، يقول كلمة رائعة، يقول:"ذُللت طالبًا فعُززت مطلوبًا". يعني عندما كان يطلب العلم عن شيوخه كان يتذلل لهم، والمراد بالتذلل هنا يعني الآداب والتملق والعطف واللطف بشيخه، ويتأدب معه، ويعطيه حقه، فلما أصبح إمامًا في هذا الفن عُزز ورُفع: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} ، لاحظوا درجات، حتى إن العلماء قالوا درجات حسية ومعنوية، أما الحسية فترفع درجاته في الجنة، هذه محسوسة يشاهدها، وأما المعنوية فيُرفع صيته، ويصير اسمه سائرًا بين الركبان كالأمثال، فيطير اسمه وشهرته فلان وفلان وفلان، ولذلك لولاهم -لولا العلماء لصار الناس كالبهائم، إذ كيف يعلم الجاهل كيف يعبد الله إذا لم يجلس بين يدي العلماء، وأنتم تعلمون أنهم يقولون:"الله يعبد بالعلم ولا يُعبد بالجهل"، ويقولون: عبادة الجاهل مهما قام أهرقت له، كأنه شيء وضعه في حجره فإذا قام سقط منه.
والمالكية يقولون الجاهل في باب العبادة كالمتعمد، المقصود الجاهل الذي يستطيع أن يرفع الجهل ولكنه لم يفعل. أما الجهل الذي لا يستطيع أن يرفعه فهذا لا إثم عليه، لا إثم قبل العلم، لا بد من العلم، وهذا معلوم عند أهل السنة والجماعة وفيه نصوص كثيرة ويكفي قصة خلاد بن رافع المسيء في صلاته، ويكفي أيضًا أسامة ومعاوية بن الحكم السلمي عندما عطس أحد الصحابة في الصلاة فقال له يرحمك الله، فنظر إليه الصحابة فقال ما لكم تنظرون إلي هكذا، يتكلم في الصلاة، ما لكم، لأنه يجهل، فلما قال وبدئوا يضربون على أكفهم، وعلم أنهم -قال يصمتوني، قال: فسكت، فلما فرغ من صلاته قال النبي -صلى الله عليه وسلم- من المتكلم آنفًا؟ قالوا هذا، فيقول ما رأيت معلمًا مثل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه-، ما نهرني ولا قهرني ولا كهرني بل علمه بأدب، وعلمه برفق، إلى آخر الحديث. إذًا عذره رسول الله أو لا؟ عذره. وكذلك الرجل الذي بال في المسجد عذره رسول الله أم لا؟ نعم عذره رسول الله، وكذلك الرجل الذي جاء إلى رسول الله فقال يا رسول الله ائذن لي بالزنا، عذره رسول الله أم لا؟ عذره، تعرفون القصة، فلذلك أشير فقط.
إذًا فالتملق للشيخ من آداب الطالب مع شيخه، وهذا إمام العلماء -من هو إمام العلماء الذي يرفع لواء العلماء يوم القيامة؟ معاذ بن جبل، يتقدمهم برتوة كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يقول كلامًا عجيبًا، يقول:"ليس من أخلاق المؤمن الملق، وهذا لا يصح مرفوعًا طبعًا، هذا من كلام معاذ، موقوف عن"