وأما الإجماع فقد قدمنا لك كلام الإمام أبي عبد الله المازري إمام الفقه وأصوله وحافظ متقن لعلم الحديث وفنونه وله في جميع ذلك اليد البيضاء والرتبة العالية المفيد أن سبب الخلاف في هذه المسألة ما ذكر فكفى به قدوة في مدرك هذه الفروع ومتعمدا في ضوابطها وتلخيصها وقد تابعه على ذلك جماعة من الشيوخ والمصنفين ولم نجد لهم مخالفا فكان ذلك إجماعا من أئمة المذهب فالتشكيك بعد ذلك إنما هو
طلب للجهل الوبيل وسبيل لغواية التضليل والله أعلم
المسألة الرابعة
يكون الإنشاء بالكلام النفساني كما يكون بالكلام اللساني ولذلك ثلاث صور الصورة الأولى الأسباب والشروط والموانع الشرعية إن شاء الله تعالى في إفرادها وما ورد من الكتاب والسنة في ذلك إنما هو أدلة على ما قام بذات الله تعالى من هذه الإنشاءات لا نفسها وإلا يلزم اتحاد الدليل والمدلول فأنشأ تعالى السببية في زوال الشمس لوجوب الظهر وأنزل قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس دالا على ما قام بذاته من هذا الإنشاء وكذلك إنشاء الشرطية في الزكاة وفي الحول وفي الصلاة في الطهارة والمانعية من الميراث في الكفر ومن الصلاة في الحدث وجعل ما ورد في ذلك دالا على ما قام بذاته من هذه الإنشاءات
الصورة الثانية الأحكام الخمسة الشرعية وهي الوجوب والندب والتحريم والكراهة والإباحة كلها قائمة بذاته تعالى عند أهل الحق والكتاب والسنة وغير ذلك من أدلة الشرع إنما هي أدلة على ما قام بذاته تعالى من ذلك وكذلك الواحد منا إذا قال لغلامه اسقني فقد أنشأ في نفسه إيجابا وطلبا للماء قبل
الدلالة عليه بلفظه