وإنما رغب أكثر الخلق عن اكتساب هذه السعادة، وتحصيلها: وعورة طريقها، ومرارة مباديها، وتعب تحصيلها، وإنها لا تنال إلا على جد من التعب، فإنها لا تحصل إلا بالجد المحض، بخلاف الأوليين، فإنهما حظ قد يحوزه غير طالبه، وبخت قد يحوزه غير جالبه، من ميراث، أو هبة، أو غير ذلك.
وأما سعادة العلم، فلا يورث إياها إلا بذل الوسع، وصدق الطلب، وصحة النية، وقد أحسن من قال في ذلك:
فقل لمرجي معالي الأمور بغير اجتهاد رجوت المحالا
وقال الآخر:
لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال
ومن طمحت همته إلى الأمور العالية، فوجب عليه أن يشد على محبة الطرق الدينية، وهي: السعادة، وإن كانت في ابتدئها لا تنفك عن ضرب من المشقة والكره والتأذي، وإنها متى أكرهت النفس عليها، وسيقت طائعة وكارهة إليها، وصبرت على لأوائها وشدتها، أفضت منها إلى رياض مونقة، ومقاعد صدق ومقام كريم، تجد لذة دونها لعب الصبي بالعصفور بالنسبة إلى لذات الملوك، فحينئذ حال صاحبها كما قيل:
وكنت أرى أن قد تناهى بي الهوى ... إلى غاية ما بعدها لي مذهب
فلما تلاقينا وعاينت حسنها ... تيقنت أني إنما كنت ألعب
فالمكارم منوطة بالمكاره، والسعادة لا يعبر إليها إلا على جسد المشقة، فلا تقطع مسافتها إلا في سفينة الجد والإجتهاد. قال مسلم في صحيحه: قال يحي بن أبي كثير: لا ينال العلم براحة الجسم.
وقد قيل: من طلب الراحة ترك الراحة.
فيا واصل الحبيب أما إليه بغير مشقة أبدًا طريق