القاعدة الرابعة:"المخالفة للكفار تكون في أصل الفعل أو في وصفه أو في حكمه": فتكون في أصله إذا كان هذا الفعل في أصله ليس مشروعًا لنا، كعيد الميلاد عند الكفار أو ما يسمى بعيد رأس السنة، فهذا ليس مشروعًا لنا من أصله، فعندئذٍ لا يجوز لنا أن نفعله أصلًا، وتكون المخالفة في وصفه إذا كان أصله مشروعًا لنا، وذلك أننا نصوم يوم عاشوراء واليهود يصومون في يوم عاشوراء؛ لأن الله نجى فيه موسى -صلى الله عليه وسلم- فعندئذٍ نخالفهم في وصفه، وذلك أننا نتسحر واليهود لا يتسحرون، والنبي -صلى الله عليه وسلم- بين أن الفرق بين صومنا وبين صوم أهل الكتاب أكلة السحر.
وكذلك أرشدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى صوم يوم التاسع من محرم حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع ) ) [1] ، كل ذلك لتحقيق مخالفة الكفار في مثل هذا، فلذلك نقول: إذا كان أصل الفعل مشروعًا فإنه يُشرع لنا أن نخالفهم في وصفه.
الحالة الثالثة: في حكمه، وذلك إذا كان هذا الفعل قد شرعه الله -عز وجل- لنا، وهم أيضًا يفعلونه وقد استوت فيه الصورة الظاهرة فنختلف معهم ونفترق في الحكم، فمثلًا: القيام للجنازة، إذا مُرّ بجنازة محمولة فإننا نقوم عندئذٍ -على خلاف في هذه المسألة بين الفقهاء -رحمهم الله- هل هذا منسوخ أو ليس منسوخًا- فطائفة من أهل العلم يقولون: القيام ليس بمنسوخ، ولكنه مستحب ولا يجب، أما عند اليهود فإنه يجب عليهم.
فمن هنا نلاحظ أن الفعل واحد في الصورة الظاهرة، فنحن نقوم وهم يقومون، ولكننا نختلف معهم في الحكم، هم يقومون وجوبًا في اعتقادهم، ونحن نقوم استحبابًا.
(1) أخرجه مسلم في كتاب الصيام - باب أي يوم يصام في عاشوراء (1134) (ج 2 / ص 797) .