(المأخذ السادس: إنكار المعجزات)
المعجزات أمورٌ خارقة للعادة، تكون للأنبياء والرسل، يؤيد الله بها دعوتهم للدلالة على صدق رسالتهم ونبوتهم. وتطلق المعجزة عادةً على خوارق العادات التي تجري على أيدي الأنبياء، كانجاء الله لإبراهيم-عليه السلام- وكون النار بردًا وسلامًا عليه، وإبراء عيسى عليه السلام للاكمه والأبرص-بإذن الله- وإحياء الموتى-بإذن الله-، وانقلاب عصا موسى-عليه السلام- حيةً تسعى بعد أن كانت جمادًا لا حراك بها، ولنبينا- عليه أفضل الصلاة والسلام- معجزاتٌ كثيرةٌ جدًا كنبع الماء بين يديه، وتسبيح الطعام وهو يؤكل، وانشقاق القمر، وغيرها كثير، والمعجزة الكبرى لنبينا صلى الله عليه وسلم هو القرآن العظيم-كلام الله - وهو باقٍ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولقد اضطربت اتجاهات التيار العقلاني قديمًا وحديثًا في إثبات المعجزات وتقريرها، وحُق لها أن تضطرب، لأن المنبع الذي تستقي منه أصولها ليس الكتاب والسنة، بل الأهواء وآراء الرجال. فجمهور المعتزلة الأولى على إثبات المعجزات، قال شيخ الإسلام: فقالت طائفة- [أي: المعتزلة] - لا تخرق العادة إلا لنبي [النبوات: 1/ 129)] . وقال القاضي عبد الجبار: (إن العادة لا تخرق إلا عند إرسال الرسل. ولا تنخرق لغير هذا الوجه؛ لأن خرقها لغير هذا الوجه يكون بمنزلة العبث) [المغني: (15/ 189) (نقلًا من النبوات:1/ 129) حاشية] . ومع أن طائفة منهم أثبتوا المعجزات إلا أنهم أثبتوها على أن خوارق العادات لا تكون إلا للأنبياء فقط. وهم مع ذلك لا يعتمدون على المعجزات في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يقرون بالمعجزات كحجة في مكالمة المخالف إلا القرآن.
-يقول القاضي عبد الجبار: (ولهذه الجملة لم يعتمد شيوخنا في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم على المعجزات، التي إنما تعلم بعد نبوته صلى الله عليه وسلم ... [وقال:] فلا يصح أن يستدل بها على صحة النبوة ولذلك اعتمد شيوخنا في ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم على القرآن ... [وقال:] فأما من شنع ذلك على مشايخنا، وزعم أنهم أبطلوا سائر معجزات محمد صلى الله عليه وسلم، فكلامه يدل على جهل؛ لأن شيوخنا أثبتوها معجزة ودلالة، لكنهم لم يجوزوا الاعتماد عليها في مكالمة المخالفين) [المغني (16/ 152) ] .
وأما المعتزلة الحديثة فإنها سلكت في هذا الجانب طريقين:
الأول: إبراز معجزة القرآن على أنها هي المعجزة الوحيدة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم والمبالغة فيه، وسبب جنوحهم لهذا لأن القرآن معجزة عقلية، وما سواها من المعجزات فليست عقلية!.
الثاني: تأويل المعجزات الأخرى بحيث يخرجها عن أن تكون معجزة، كتأويل رشيد رضا حادثة نبع الماء من يد أصابعه صلى الله عليه وسلم: أن ذلك من رحمة الله وعنايته برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتأمل في قوله: (وأما ما أكرمه الله تعالى به-أي محمد صلى الله عليه وسلم- من الآيات الكونية،