المبحث الثاني
التعدي على الأجنَّة
تعريف الجنين:
وضع الفقهاء تعريفات عدة للجنين وتكاد كلها تجمع على وجوب الخلق فيه لكي تترتب الآثار الشرعية، ويميل بعض أصحاب المذهب الحنفي إلى التوسع في تعريف الجنين فيروا أن الماء في الرحم ما لم يفسد فهو معد للحياة فيجعل كالحي في إيجاب ذلك الضمان بإتلافه كما يجعل بيض الصيد في حق المحرم كالصيد في إيجاب الجزاء عليه بكسره (2) · وعند البعض الآخر يعرف الجنين بما يدل على حياته من استهلال ورضاع ونفس، وعطاس ولا يعتبر جنينًا إذا تحرك عضو منه لأنه قد يكون من اختلاج (3) ·
وعند الإمام مالك وأصحابه تعتبر علامة الحياة هي الاستهلال بالصياح أو البكاء · وعند الإمام الشافعي وأبي حنيفة والثوري وأكثر الفقهاء (كل ما علمت به الحياة في العادة من حركة أو عطاس أو تنفس فأحكامه أحكام الحي) · واختلفوا في الخلقة الموجبة للغرة فالإمام مالك يرى أن الجنين كل ما طرحته المرأة من مضغة أو علقة مما يعلم أنّه ولد · والإمام الشافعي يشترط استبانة الخلقة · ويرى بعض المالكية المسئولية في الدم الخارج غير القابل للذوبان إذا صب عليه الماء الحار، ويرى البعض الآخر انتفاء المسئولية في طرح الدم غير المميز للخلقة (1) ·
وفي المذهب الحنبلي ينبغي أن يكون في الطرح صورة آدمي فإن أسقطت المرأة غير ذلك فلا شيء فيه وذلك لجهالة أنه جنين، ولكن إن ألقت المرأة مضغة فشهدت ثقات القوابل أن فيه صورة خفية ففيه غرة أما إن شهدت أن الطرح مبتدأ خلق آدمي لو بقي تصور ففيه وجهان: الأصح أنه لا شيء فيه، لأنه لم يتصور بعد فلم يجب فيه شيء كالعلقة لأن الأصل براءة الذمة فلا تشغل بالشك · والوجه الثاني أن فيه غرة؛ لأنه مبتدأ خلق آدمي أشبه ما لو تصور (2) ·
وعلى أي حال كان تعريف الجنين فإنه قد يتعرض في بطن أمه للتعدي وقد يكون هذا التعدي ماديًا أو معنويًا، وقد تكون الأم هي الفاعل، وقد يكون الطبيب هو الفاعل · وقد يكون التعدي خطأ، وقد يكون عمدًا · وقد يكون كاملًا، أو ناقصًا وسنبين هذه الاحتمالات بشيء من التفصيل ·