أما تقويم هذه الأعمال الشائنة في المقياس الصحيح فيحتاج إلى ربط تاريخ هذه الطائفة بحاضرها، ومن تصورات شيوخ الطائفة في القديم والحديث نفهم العقلية التي يفكرون بها، وماذا يدبرون وكيف يقيسون الأمور .. ولا نغتر بتراجع قائد النظام أما غضبة المسلمين، و زعمه بأنه لا علم له بما حدث، كما أننا لا نقيم وزنًا لخطب ومواعظ شيوخ السلطة الذين يبيعون علمهم وألسنتهم لقاء دريهمات معدودة، ويوظفون أنفسهم في خدمة كل نظام جائر والعياذ بالله.
2 الرشوة ..
انتشرت الرشوة في سورية بشكل لم تعهده من قبل، وصار من المتعذر إنجاز أية معاملة دون دفع رشوة، وتفنن الموظفون في هذا الجانب، فقد تؤجل المعاملة التي لا تحتاج لأكثر من تصديق لعدة أسابيع، وفي معظم الحالات يطلب الموظف مباشرة ودون وسيط مبلغًا محددًا يتناسب مع أهمية القضية من جهة ومع تسعيرة المؤسسة أو الوزارة من جهة أخرى، فللجوازات تسعيرة، ولوزارة التموين تسعيرة وللجيش تسعيرة .. و هكذا.
وقد يحدث أن يرفض المراجع دفع رشوة، ويرفع شكوى ضد الموظف طالبًا التحقيق معه ومعاقبته، وفي هذه الحالة تنقلب الآية، و يصبح المتهم بريئًا والشاكي مشكوًا، و يجتمع الرئيس والمرؤوس على اتهام المراجع بشتم الحزب أو الرئيس، و يحال المسكين إلى أحد أقبية المخابرات، وتمر مدة طويلة وأهله لا يعرفون مصيره ولا التهمة التي وجهت إليه، و تنشر قضيته بين الموطنين فلا يتجرأ أحد منهم فيما بعد على رفض دفع الرشوة حسب السعر الذي يحدده الموظف.
وقادة الطائفة النصيرية هم الذين ينظمون هذه الطرق الملتوية، و لكل منهم شلة مهمتها حل أخطر القضايا بعد دفع المقسوم ولا تسل عن الحق والباطل أو العدل والظلم أو المعقول وغير المعقول إن كان المبلغ المدفوع كبيرًا ومجزيًا!!
واستغل التجار الانتهازيون هذه الظاهرة، فأقاموا علاقات متينة مع كبار الضباط النصيريين، و لجأ أكثرهم إلى مشاركة المسؤول النصيري في المؤسسة أي شريك وجه وما عليه إلا أن يضمن مصالح الشركة ويسهل معاملاتها في دوائر ومؤسسات الدولة.
ومما زاد الطين بلة أن الدولة تقوم باحتكار الاستيراد والتصدير، فالمزارع يجب أن يبيع محصولاته للدولة بالسعر الذي تتفضل بتقديره، وهي تقدر له سعرًا مضاعفًا في غير أوقات الموسم .. ومن يضبط من المزارعين وهو يحاول نقل محصولاته إلى محافظة أخرى يحاكم بتهمة الخيانة العظمى، وقد يمكث في السجن بضعة أعوام.
والسؤال المطروح: من الذي يتحكم بكل هذه الأمور؟!!
والجواب: إنهم الإقطاعيون والرأسماليون الجدد، أمثال رفعت وعزت ودوبا وأصلان وطلاس والخولي والكسم.
إن رفعت الأسد يملك شركات ومؤسسات لا تحصى داخل سورية، أما خارجها فله أرصدة في بنوك أمريكا وأوربا لا يحلم بها أي ثري من أثرياء العرب .. وهو الرقيب قبل عشرين سنة الذي كان يتقاضى راتبًا لا يتجاوز (250) ليرة سورية أي (50) دولارًا.
والاحتكار الذي يتلاعب به رفعت ومن حوله ساعد على ارتفاع الأسعار أضعافًا مضاعفة، ولم يرافق هذا الارتفاع زيادة في رواتب الموظفين .. و لهذا لم يجد ضعاف النفوس بديلًا غير الرشوة .. ومن وراء ذلك فساد الأخلاق، وفقدان النخوة والمروءة وعبادة المادة .. وهذا الذي يخطط له النصيريون.