قلت: القول الأول أصح لما ذكرناه ويأتي وأما ما احتجوا به من الحديث الأول فليس على ظاهره وإنما هو من باب المقلوب أي: زينوا أصواتكم بالقرآن. قال الخطابي وكذا واحد من أئمة الحديث: زينوا أصواتكم بالقرآن. وقالوا هو من باب المقلوب كما قالوا: عرضت الحوض على الناقة وإنما هو عرضت الناقة على الحوض قال: ورواه معمر عن منصور عن طلحة فقدم الأصوات على القرآن وهو الصحيح.
قال الخطابي: ورواه طلحة عن عبدالرحمن بن عوسجة عن البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (زينوا القرآن بأصواتكم) أي: الهجوا بقراءته واشغلوا به أصواتكم واتخذوه شعارا وزينة , وقيل معناه الحض على قراءة القرآن والدءوب عليه. وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (زينوا أصواتكم بالقرآن) وروي عن عمر أنه قال: حسنوا أصواتكم بالقرآن.
قلت: وإلى هذا المعنى يرجع قوله عليه السلام: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) أي: ليس منا من لم يحسن صوته بالقرآن كذلك تأوله عبدالله بن أبي مليكة , قال عبدالجبار ابن الورد سمعت ابن أبي مليكة يقول قال عبدالله بن أبي يزيد مر بنا أبو لبابة فاتبعناه حتى دخل بيته فإذا رجل رث الهيئة فسمعته يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) قال فقلت لابن أبي ملكية: يا أبا محمد أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسنه ما استطاع. ذكره أبو داود , وإليه يرجع أيضا قول أبي موسى للنبي صلى الله عليه وسلم: (إني لوعلمت أنك تستمع لقرائتي لحسنت صوتي بالقرآن وزينته ورتلته)
وقد قيل إن الأمر بالتزيين اكتساب القرءات وتزينها بأصواتنا وتقدير ذلك أي زينوا القراءة بأصواتكم فيكون القرآن بمعنى القراءة كما قال تعالى: (وقرآن الفجر) أي قراءة الفجر وقوله: (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) أي قراءته وكما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: (إن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان عليه السلام ويوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنا) أي قراءة وقال الشاعر في عثمان رضي الله عنه: ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحا وقرآنا أي قراءة فيكون معناه على هذا التأويل صحيحا إلا أن يخرج القراءة التي هي التلاوة عن حدها على ما نبينه فيمتنع.
وقد قيل إن معنى يتغنى به يستغنى به من الاستغناء الذي هو ضد الافتقار لا من الغناء يقال تغنيت وتغانيت بمعنى استغنيت وفي الصحاح تغنى الرجل بمعنى استغنى وأغناه الله وتغانوا أي