و قد اختلطت - كما أسلفت - الروايات الحقيقية بالمكذوبة التي افتراها الرافضة الحمقى و روج لها الإخباريين بأسلوب يهدر كل القيم و المثل.
نعم هناك روايات كتاب الأغاني، - و الذي يسمى بالنهر المسموم -، ذلك النهر الذي عب منه كل مثقفينا، وكل من تناول جانبًا من تاريخنا، كابرًا عن كابر، فَضَّلوا و أضلوا.
و هذا الذي ذكرته هو المشهور و المتفق عليه بين العلماء في مقتله رضي الله عنه و قد رويت زيادات بعضها صحيح و بعضها ضعيف و بعضها كذب موضوع، و المصنفون من أهل الحديث في سائر المنقولات، أعلم و أصدق بلا نزاع بين أهل العلم؛ لأنهم يسندون ما ينقلونه عن الثقات، أو يرسلونه عمن يكون مرسله مقارب الصحة، بخلاف الإخباريين؛ فإن كثيرًا مما يسندونه، يسندونه عن كذّاب أو مجهول، أمّا ما يرسلونه، فظلمات بعضها فوق بعض.
و أما أهل الأهواء و نحوهم فيعتمدون على نقل لا يعرف له قائل أصلًا، لا ثقة و لا ضعيف و أهون شيء عندهم الكذب المختلق، و أعلم من فيهم لا يرجع فيما ينقله إلى عمدة بل إلى سماعات عن المجاهيل و الكذابين، و روايات عن أهل الإفك المبين.
هذه هي حقيقة الفاجعة، و أصلها و فصلها، و كفى، و هذه هي قضية يزيد و مقتل الحسين، إما أن تذكر كلها بتفاصيلها، و إما أن تبقى طي الكتمان، أما أن يجتزأ الكلام، و يختزل بهذه الصورة الشائعة على الألسن - قتل يزيد الحسين - فهذا فيه تدليس و تزييف.
لكن لنقف مع تقويم لهذه المعارضة من قبل الحسين رضي الله عنه.
كانت معارضة الحسين ليزيد بن معاوية و خروجه إلى العراق طلبًا للخلافة، ثم مقتله رضي الله عنه بعد ذلك، قد ولد إشكالات كثيرة، ليس في الكيفية والنتيجة التي حدثت بمقتله رضي الله عنه، بل في الحكم الشرعي الذي يمكن أن يحكم به على معارضته، و ذلك من خلال النصوص النبوية.
وإن عدم التمعن في معارضة الحسين ليزيد و التأمل في دراسة الروايات التاريخية الخاصة بهذه الحادثة، قد جعلت البعض يجنح إلى اعتبار الحسين خارجًا على الإمام، وأن ما أصابه كان جزاءًا عادلًا و ذلك وفق ما ثبت من نصوص نبوية تدين الخروج على الولاة.
فقد قال صلى الله عليه وسلم: من أراد أن يفرق بين المسلمين و هم جميع فاضربوه بالسيف كائنًا من كان. صحيح مسلم (12/ 241) ، قال السيوطي: أي فاضربوه شريفًا أو وضيعًا على إفادة معنى العموم. عقد الزبرجد (1/ 264) . و قال النووي معلقًا على هذا الحديث: الأمر بقتال من خرج على الأمام أو أراد تفريق كلمة المسلمين ونحو ذلك و ينهى عن ذلك فإن لم ينته قوتل وإن لم يندفع شره إلا بالقتل قتل و كان دمه هدرًا.