ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته والسلف الصالح ضربوا لنا أروع الأمثلة في الزهد، وكُتب السِّيَر شاهدة على هذا.. فإن مَن يقرأها ويتمعن فيها يرى عجبًا عُجابًا لأُناس طلَّقوا الدنيا ثلاثُا بلا رجعة، ذلك الرعيل الأول الذي فقه ما أمرهم الله به وتدبروا حقيقة الدُنيا ومآلهم إلى الآخرة.. فأكرموا أنفسهم عن هذه الفانية وآثروا الباقية { وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } [الأعلى: 17] .. وأذكر لك نموذجًا واحدًا فقط من عدة نماذج التي تزهد في الدُنيا وتُرَّغِب في الآخرة.. حضر «يحيى بن زكريا» إلى الإمام مالك وهو صغير، وكان الإمام مالك يعجبهُ سمتهُ وعقله، وكان يومًا عند مالك في جملة أصحابه، فقال قائل: «قد حضر الفيل» فخرج أصحاب مالك لينظروا إليه «إلا يحيى» فقال لهُ مالك: «لِمَ لَمْ تخرج فترى الفيل؛ لأنهُ لا يكون في الأندلس» .. فقال يحيى: «إنما جئت من بلدي لأنظر إليك وأتعلم من هديك وعلمك، ولم أجئ لأنظر إلى الفيل» ، فأُعجب به مالك.. وسمَّاه «عاقل أهل الأندلس» . الله أكبر ما أشرفها من نفس وما أكرمها على صاحبها..
إذا كانت النفوس كبارًا ... تعبت في مرادها الأجسام
فيا أخية.. هذه همة طالب في حلقة الإمام مالك.. فكيف بالمعلم فتتبَّعي سيرهم واقتدي بهم.
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرام فلاحُ
ولا تغتري بالدُنيا وزخارفها وغرورها فتنسي الآخرة، وتخسري الدُنيا والآخرة، { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا } [القصص: 77] .
وفَّقنا الله وإياك لمعرفة الحق، والاقتداء بنبيه وصحبه الكرام..
وبعد.. فقد ذكرنا بعضًا من صور علو الهمة.. ويبقى السؤال.. ألا وهو ما هي الأسباب المؤدية إلى علو الهمة.. نقول وبالله التوفيق: