ذلك لله وحده، ولا يترك فعلا إلا لله، ولا يتأثر بفعل ما سواء حضر الناس أم غابوا. فإنه ليس لله حاجة بعبادة أحد له، وهو أغنى الشركاء عن الشرك، فإذا أشرك العبد في أمر ما بحيث قصد أن يكون لله وللناس فإن الله غير محتاج لذلك العمل. وعلى المسلم أن يراقب نيته وقصده في كل عمل فما كان فيه شركا مع الله تعالى فعليه أن يصحح نيته فيه لكي تكون خالصة لله. كما عليه أن يجتنب الشرك في القول، كقول أحدهم: هذا لله ولك، أو قوله إذا أراد الله وأردت، والحلف برأس المخاطب، كما عليه أن يجتنب الشرك في الفعل كالذبح تحت أقدام البشر، أو الركوع أمامهم، أو الغلو في مدحهم بما يوهم رفعهم فوق مستوى البشر.
وعلى المؤمن أن يكون له، ولو جزءا من عمله خالصا من أي رياء أو منّ على أحد، من أعمال السر بحيث لا يعلم به أحد إلاّ الله كصدقة السر أو صلاة التهجد منفردا أو إحسان لا يعلم به أحد حتى من يستفيد منه ويجهد نفسه على أن تكون الأعمال الظاهرة الأخرى خالصة من الشوائب قدر إستطاعته فتلك خطوة أخرى على طريق الإستقامة. كما أن عليه أن لا يترك عملا صالحا من أجل الناس قال الله تعالى عن المؤمنين: " يجاهدون في سَبيل اللّه ولا يخافونَ لومَة لائِم " (8) فهو لا يرى لغير الله إرادة أو إستطاعة لضرر إلاّ بإذنه وكلما إزداد المؤمن إيمانا كلما وضحت عنده تلك الحقيقة وفتح الله له بحيث يرى براهين جديدة تطمئن إليها نفسه. كتبت عائشة رضي الله عنها إلى معاوية رضي الله عنه: سلام عليك، أما بعد فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " مَن أرضى الناسَ بِسَخَطِ اللّهِ وكَلَهُ اللّهُ إلى النّاسِ، ومَن أسخَطَ النّاس بِرِضاءِ اللّهِ كَفاهُ اللّهُ مَؤنَةَ النّاسِ " (9) .ـ
ـ 3 ـ التقوى
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
أتّقِ اللّه حيثُما كنتَ وأتبِع السيئةَ الحسَنَة تَمحُها وخالِقِ الناسَ بِخُلُق حَسَن "
(رواه الترمذي وقال حديث حسن) (10 و 11)
حث الله تعالى في القرأن الكريم على التقوى في أيات كثيرة: " ياأيّها الّذين أمنوا إتقوا اللّه حقّ تُقاتِه ولا تَموتُنّ إلاّ وأنتُم مسلمون " (12) ، " ياأيّها النّاسُ اتّقوا ربّكُم إنّ زلزلة الساعة شيء عظيم " (13) ، " ياأيّها النبيّ إتّق اللّه ولاتُطِع الكافرين والمُنافقينَ إنّ اللّه كانَ عَليما حَكيما " (14) .ـ
وكلمة التقوى مشتقة من الوقاية، فالتقوى هي إطاعة الله خشية عذابه، وهي عمل بطاعة الله على نور من الله مخافة عقاب الله.
ويدعو الملائكةُ للمؤمنين كما يحكي لنا القرآن الكريم: " وقِهِم السّيئات وَمَن تَقِ السّيئات فقد رَحِمتَهُ " (15) ، وعلى المسلم أن يدعو الله على الدوام أن يقيه الوقوع في السيئات والآثام، أليس هو الذي يدعو ربه في كل ركعة من ركعات صلاته: " إهدِنا الصِراطَ المُستَقيم " (16) . وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو: " اللّهُمّ إني أسألُكَ الهُدى والتُقى والعفاف والغنى " (17) .ـ
إن مكان التقوى هو القلب، لكن الدليل على مايضمره القلب هو الأعمال الظاهرة على الجوارح، فمن ادّعى التقوى وكانت أعماله تناقض قوله فقد كذب. ويختلف مقدار ما يفرض الله على المرء من تقوى بحسب إستطاعته، قال الله تعالى: " فاتّقوا اللّهَ ما استَطَعتُم " (18) . والسبيل إلى التقوى هو مراقبة النفس ومنعها عن إتباع أهوائها بما يناقض أوامر الله تعالى ولكي تنقاد إلى