يبدأ الكثير من كتب الحديث بالحديث المشهور الذي قال عنه بعض أئمة الحديث أنه وصل حد التواتر المعنوي (2) " إنّما ألأعمال بالنيات وإنّما لكُل إمرئ ما نوى، فَمَن كانت هِجرَتُهُ إلى اللّه ورسولِه فهِجرتُه إلى اللّه ورسوله، ومَن كانت هجرتُه لدُنيا يُصيبُها أو إمرأة ينكِحُها فهجرته إلى ما هاجر إليه " (3) .ـ
فالنية أساس العمل، تقترن النية الصالحة بالعمل القليل فترفعه ليكون من أقرب القربات، أما النية السيئة فإذا اقترنت بالعمل الصالح الكثير فإنها تحيله إلى هباء منثور. قال تعالى: " وَقَدِمنا إلى ما عَملوا من عَمَل فَجَعلناهُ هباء منثورا " [4). ـ
أنظر إلى كرم الله تعالى: ينوي المرء فعل حسنة ثم لا يفعلها فيكتبها الله له حسنة، فإذا فعلها تضاعفت عشرا أو مائة أو سبعمائة أو أكثر من ذلك إلى ما شاء الله بحسب نيته وإخلاصه. وإن نوى فعل سيئة ثم فعلها، كتبت له سيئة واحدة لاغير. أما إذا لم يفعلها فإن الله يكتبها له حسنة. ولا تعجب من ذلك فإن ترك السيئة هو حسنة بذاته.
هذا الحديث يذكر المؤمن بأن ينوي فعل الخير في كل لحظة يستطيع ذلك، فإن إستطاع تنفيذ فعل الخير فبها ونعمت، وإن لم يستطع فإن الله يجازيه على حسن نيته. وهكذا فإن نية المؤمن خير من عمله لأن ما ينويه من خير أكثر مما يستطيع عمله في وقته المحدود وماله المحدود وقابلياته المحدودة. ولذلك على المرء أن يراقب نيته كما يراقب عمله فإذا ما وجد في نيته قصدا لغير الله وجب عليه تصحيح نيته في ذلك.
وقد يعجب بعض الناس من بركة عمل صالح لفرد ما حيث تتضاعف الفائدة منه وبذلك ينال صاحبه أجرا عظيما، بينما لايحصل آخر عمل عملا مشابها على مثل تلك النتيجة، وما ذلك في أغلب الأحيان إلا بتأثير النية الحسنة، فأول خطوات الإستقامة تصحيح النية لكي تكون خالصة لله تعالى.
والنية الحسنة لا تحيل المعصية خيرا. قيل كان رجل يسرق كل يوم درهما فيشتري به خبزا فيدفعه إلى فقير. فلما إكتشف أمره قال إنه يسرق فيكسب سيئة واحدة فيتصدق فيكسب عشر حسنات، تمحو إحداهن السيئة فيبقى له تسعا. فهذا الجاهل قد إكتسب سيئة ولم تكتب له أية حسنة، لأن الصدقة من الحرام غير مقبولة والنية الحسنة هنا لا تجدي نفعا. لكن النية الحسنة في الأمر المباح تحيله عبادة. فالترويح عن النفس بغير نية إذا لم يكن فيه معصية لا إثم ولا ثواب فيه. أما إذا كانت النية في الترويح عن النفس الإستعداد لطاعة الله، فعند ذلك يصبح الترويح عن النفس عبادة. قال أبو الدرداء إني لأستجم نفسي بشيء من اللهو فيكون ذلك عونا لي على الحق. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: روِّحوا القلوب فإنها إذا كرِهَت عَمِيَت. وفي رواية إذا كلّت عميت أو تعبت.
ـ 2 ـ الإخلاص
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلىلله عليه وسلم:
" قالَ اللّهُ تَباركَ وتَعالى أنا أغنى الشُرَكاءِ عَن الشِرك. مَن عَمِلَ عَمَلا أشركَ فيهِ معي غيري تركتُهُ وشِركَهُ "
(رواه مسلم)
الإخلاص شرط في قبول الله تعالى للعمل الصالح، قال الله تعالى: " وَما أُمِروا إلاّ ليَعبُدوا اللّه مُخلِصين له الدينَ " (5) ـ، وقال: " ألا للّه الدين الخالِص " (6) ، قال الفضيل بن عياض (7) : ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما. وهكذا فإن تمام اليقين بشهادة أن لا إلَه إلاّ الله أن لا ينوي حينما يفعل إحسانا الاّ أن