أما السبب التنظيمي الذي يجعل الديمقراطية أداة هدم فيتمثل في غياب القيادة لعملية الديمقراطية متمثلة بأحزاب وانتخابات، ففي أوروبا كان الإقطاع في أول الأمر هو مركز القوة في الدولة والذي يسير كل شيء فيها وعلى رأس ذلك نظام الحكم أيًا كان، فالنبلاء الإقطاعيون ورجال الدين كانوا هم الطبقة الحاكمة في البلاد. ولما بدأ العمل في فكرة الانتخابات وتمثيل الأمة آنذاك كان الإقطاع والكنيسة هما اللذان يقودانها ويسيرانها بحسب ما تقتضي مصالحهما . فمنذ عام 1483، في فرنسا على سبيل المثال، وحتى قيام الثورة الفرنسية لم يكن كما يقول ثومبسن:"قوانين مكتوبة وواضحة للانتخابات، ولم يكن هناك برلمان في باريس أو فرساي، ولا يستطيع أحد أن يعرف كيف ينتخب النواب أو ما هي واجباتهم وكان النواب يخضعون لسيطرة النبلاء ورجال الدين وهذا ما لم يعد يناسب الطبقة المتوسطة الناشئة"وحتى البرلمان الذي اجتمع يوم 5 مارس 1789 قبيل الثورة بقرار من لويس السادس عشر كان يعطي الكثير من الامتيازات للنبلاء ورجال الدين ولا يخدم العامة إلا قليلا (1) وبدأت هذه الطبقة المتوسطة الناشئة ذات التوجهات العلمية والصناعية تعمل عملها في المجتمع الأوروبي من أجل تغييره فقضت على الإقطاع وعلى نظام الحكم الخاضع له وأخذت منه زمام الأمور وقيادة المجتمع، فأوجدت نظام الحكم كما هو عليه اليوم، وحلت الرأسمالية الصناعية -أو لنقل الإقطاع الصناعي إن جاز التعبير- محل الإقطاع القديم في قيادة الديمقراطية وجعلتها بالشكل الذي هي عليه الآن في أوروبا تأتمر بأمرها وتتحرك بإرادتها.
فمن يقود الديمقراطية في البلاد العربية إن وجدت؟