( وكون الديمقراطية والحزبية نبتة أجنبية لا يحتاج منا إلى دليل فهي لم تدخل كفكرة وكممارسة إلا مع أوائل الغزو الأوروبي الذي تمثل أول الأمر بالمدارس الأجنبية والإرساليات التبشيرية ومن ثم الماسونية وما نسخ عنها من الأحزاب، فالعراق مثلًا لم يعرف الحياة الحزبية العلنية إلا في عهد الانتداب الإنكليزي عام 1921-1932 وتألفت عشرة أحزاب(1) لم تدم طويلا حتى أن مواد القانون الأساسي الذي نص على أن السيادة للأمة ووضع مواد لحماية حقوق الشعب الأساسية كانت مترجمة عن الإنكليزية وأن القانون وضع نتيجة معاهدة فرضتها بريطانيا على العراق (2) ، ولم يدخل الإنكليز الديمقراطية إلى البلاد حرصًا على مصالح الأمة وحكمها لنفسها! كما قد يعتقد البعض ، بل العكس ؛حتى يحكموا سيطرتهم عليها ويسيروها باسم الديمقراطية كيفما شاءوا. أدخلوها لأنها مهزلة ليس إلا، وقد وصفها السر ارنولدويلسن، نائب الحاكم المدني في العراق 1918-1920 كذلك ؛ إذ كتب مقالة عام 1936 إثر انقلاب بكر صدقي في العراق قال فيها:"حررناهم من حكم الأتراك الخفيف الوطء والكسول حينما احتللنا العراق بقصد منع الألمان من الوصول إلى الخليج، ولقد حملناهم على تبني نظام برلماني، بمجلسين أعلى وأدنى، وانتخابات دورية، في وقت كان الأتراك والإيرانيون قد ألغوا فيه برلماناتهم باعتبارها سبب دمارهم، لقد أخذنا العراق من الأتراك الذين لهم تقاليد الحكم وخبرته، وأودعناهم أناسًا ليس لهم حظ من أيهما"وبعد أن يلوم بريطانيا يقول عن الانقلاب:"...وهذا الانقلاب يعني نهاية مهزلة الحكومة البرلمانية في العراق" (3) ، ومهزلة الديمقراطية التي أرسى دعائمها الاستعمار الإنكليزي تظهر في الاستفتاءات التي أجراها في أول أمر الاحتلال ليعطي الشرعية لأعماله. فقد أجري استفتاء شعبي! شبه رسمي في العراق، وكان هناك مرشحان لحكم العراق، وكانت إنكلترا قد وعدت أن تجري انتخابات عامة حرة في البلاد لاختيار مجلس نيابي يناط به تقرير دستور للبلاد واختيار رئيس الدولة المقبلة، وكانت الحكومة الإنكليزية تعلم أنه سوف لن يختار هذا المجلس مرشحها فقررت فرضه على البلاد، فقامت قوة باختطاف المرشح الآخر، بناء على أوامر كوكس بينما كان ينزل ضيفًا عليه في
(1) …عادل غفوري: أحزاب المعارضة... ص 69.
(2) …عبدالرحمن البزار: صفحات من الماضي القريب ص 97 - 98.
(3) …نجدت فتحي صفوت: العراق في الوثاق البيطانية ص 332 - 444.