الصفحة 47 من 102

وبدأ بعد ذلك سلسلة من الخلافات والمهاترات التي يفتعلها مع هذا وذاك من أعضاء الحكومة ومن أعضاء الجمعية التشريعية مما عرقل نشاطها، حتى الوفد الذي ذهب للمفاوضات مع الإنكليز والذي كان هو أحد أعضائه لم يسلم من هذه الخلافات ، إذا افتعل سعد زغلول خلافًا مع أعضاء الوفد ونازع عدلي باشا رئيس الحكومة على رئاسة الوفد مما أضعف موقف المفاوضين! ولما اشتدت هذه الخلافات التي صارت إلى مهاترات سخيفة يمكن أن تضر به! نفي ولمدة شهر واحد في مارس 1919 فقط ليعود بعدها بطلًا مقدامًا وشخصية جماهيرية فذة تنزهه الجماهير وتبرر له كل أفعاله. فأصبح يحرك الجماهير كيفما يشاء، وطغى بشخصيته هذه على كل معارضيه، وأصبح الزعيم الذي جعل مصر رهن إشارته.

فماذا حقق ؟!

أضعف موقف الحكومة والمفاوضين في مفاوضاتهم مع المحتلين، شغل الأمة، حكومة وشعبًا بخلافات جانبية تافهة لا طائل ورائها، وامتص النقمة والثورة على الإنكليز وحماسة الشباب بخطبه الحماسية ، وحولها كما يقول محمد محمد حسين:"إلى الاشتغال بالتوافه وبما لا طائل تحته، فبعثر هذه الطاقة الضخمة وبددها، وفوت على الأمة أن تستفيد بها حين كان يمكن الانتفاع بها فيما يجدي وينفع" (1) وبعد أن أدى دوره هذا عاد إلى الواقعية وموالاة الإنكليز مرة أخرى كما كان من قبل ! فلم يكد يصل اللورد لويد عام 1925 إلى مصر حتى سارع سعد إلى زيارته ، ولم تلبث الصحف الوفدية أن مالت إلى مهادنة الإنكليز والدعوة إلى مسالمتهم والانتفاع بمزايا وجودهم والانشغال بالأمور الاقتصادية والزراعية وتأجيل مسألة الجهاد السياسي إلى إشعار آخر حتى تحين الفرص (2) !!

وبدأ سعد يدافع عن الامتيازات الأجنبية ويشيد بالأعمال الجليلة التي تقوم بها الحكومة الإنكليزية، ولكنه مات ولم يمهله الأجل ليحقق ما كان الإنكليز قد عقدوا عليه من آمال، وفوت موته على الإنكليز فرصة كبيرة في الاستفادة من استثمارهم فيه، ولذلك قال نيومان متأسفًا على موته:"كان من الممكن أن يكون سعد زغلول عاملًا قويًا في هذه الفترة من العلاقات المصرية الإنجليزية"، وقد كان هناك أدلة لا تحتمل إلا قليلًا من الشك على ما ذهب إليه اللورد لويد والحكومة الإنجليزية من انتظار معونته وعطفه، وقد كان عطف زغلول على وجهة النظر الإنجليزية يعني عطف المصريين جميعًا (3) ) .

(1) … ذات المصدر ص 407.

(2) … ذات المصدر ص 408.

(3) … ذات المصدر ص 408.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت