وليس هذا فقط ،وإنما عمل الاستعمار أيضًا وخاصة الإنكليزي على بناء زعامات وطنية يقوم بتربيتها وإبرازها وإشهارها كشخصية عبقرية فذة مؤكدًا على وطنيتها من خلال ما يرتبه لها من موقف وطنية مناهضة للاستعمار فيلتف حولها الوطنيون، وتنال دعمًا شعبيًا كبيرًا فتصبح هذه الزعامة بفضل هذه المواقف التمثيلية المرتبة، والحزب الملتف حولها هي القوة الغالبة. وبهذا يهيئها لتسلم دفة الحكم عندما تزف ساعة الرحيل بعد أن ينتهي دور الاحتلال بتحقيق أهدافه، فالاستعمار لا يمكن كما يقول مالك بن نبي:"أن يلغي من حسابه مبدئيًا احتمال الاستقلال... إن الاستعمار لواثق اتجاه هذا الاحتمال، ولمواجهته في الوقت اللازم" (1) ، ولذلك يهيئ لمن يُسلم البلاد، ويقول عن حال الجزائر:"إن الصراع لم يكن صراع أفكار، وإنما صراع مصالح تشرف عليها السلطات العليا، متظاهرة بمقاومته أحيانًا، عندما تعلن غضبها على هذا -العدو لفرنسا- أو ذاك حتى يرى الشعب المغرور في تلك العداوات بطولات توجب عليه السمع والطاعة لأصحابها..." (2) ، وليس أدل على ذلك من الكيفية التي ظهر فيها سعد زغلول وأصبح أكبر زعيم وطني في مصر، وهو الذي استوزر لأول مرة وهو شاب صغير بترشيح من بلنت وكرومر وأصبح وزيرًا مزمنا في الوزارات المختلفة والمتعاقبة في الدولة ينتقل من وزارة إلى أخرى منفذًا للإنكليز كل استبدادهم ومكرسًا احتلالهم لمصر !! فمن المعروف أن الوزير آنذاك هو المنفذ لسياسة الإنجليز وقد اعترف بذلك اللورد ويفل Wavel الذي قال عن كيفية الحكم في مصر:"إن الإنجليز ليس لديهم سلطات تنفيذية بأنفسهم ولكنهم يباشرون التنفيذ عن طريق الوزراء المصريين..." (3) ولما أنشأ كتشنر عام 1913 الجمعية التشريعية استقال سعد وانتخب رئيسًا لها، وتحول إلى معارض للإنكليز بقدرة قادر!! وتطرف سعد بعد ذلك لينافس الحزب الوطني المتطرف ضد الإنكليز إلا أنه احتوى هو وجماعته من أعضاء حزب الأمة هذا التطرف ضد الإنكليز ووجهوه ضد الخديوي وإن عارضوا الإنكليز كما يقول محمد محمد حسين:"فهم لا يعارضونهم إلا في تسامحهم مع الخديوي" (4) .
(1) …ص 125.
(2) … مالك بن نبي: الطالب ص 188- 189.
(3) … ذات المصدر ص 222 - 223.
(4) … محمد محمد حسين: الاتجاهات الوطنية... ج 2 ص 392.