الصفحة 44 من 102

وهكذا استطاع المحتل بواسطة الأحزاب -الديمقراطية !- أن يكرس احتلاله ويجعله أسهل وأرخص ، كما كان احتلاله بفضل الأحزاب كذلك . وبدلًا من أن تجتمع كلمة الأمة ضد المحتل تفرقت بين الأحزاب المتنافسة التي اشتدت مع الأيام منافستها حتى صارت بعد عام 1923 في مصر مثلًا إلى حد لم يعد فيه هم الأحزاب وهدفهم بلوغ السلطة في البرلمان، بل التنديد بخصومها وإسقاطهم عبر الغوغائية بالتحريض حتى لو كانت النتائج تناقض المصلحة العامة، وكثيرًا ما انهمك الزعماء السياسيون في تبادل الشتائم والسباب والمهاترات متهمين بعضهم البعض بالخيانة والنفاق مما أدى إلى زعزعة ثقة الناس بجميع الزعماء إلى حد كبير (1) ، ولم تحل سنة 1952 حتى كانت المهاترات وفوضى الخلافات الحزبية قد بلغت قمتها، وزاد الأمر سوءًا أن الشعب نفسه قد تقسمته أهواء الأحزاب التي يزعم كل منها أنه ينطق باسمه، وهي جميعًا أحزاب مصطنعة لا مبرر لوجودها ، فكلها قد وجدت لأسباب شخصية، ولا فرق بين برامجها، لأنها جميعًا متولدة عن حزب الأمة، وقد بدأت جميعًا مستندة إلى العصبيات وإلى أصحاب المصالح من كبار الملاك (2) .

ولم يقتصر دور الأحزاب على تسهيل الاحتلال وتكريسه ، وإنما استمر دورها في خدمة مصالح الاستعمار بعد الجلاء والاستقلال ، وذلك إذ صارت تعمل على إدامة التبعية بكل أشكالها للاستعمار ، ولم يأت عملها هذا بالصدفة!! وإنما جاء نتيجة تخطيط مسبق من قبل المحتل الذي أجرى خلال احتلاله عملية مسح للأفكار والنزعات والآمال والأهداف السائدة في الوطن، ولما أدخله من أفكار وقيم ونزعات، ولما كان سائدًا في العالم من نزعات عالمية كالاشتراكية والشيوعية والفابية الخ.. التي كان من المتوقع لها أن تسود، ثم قام بصهر كل ذلك وصبه في القوالب التي يريد، فشجع تأليف الأحزاب المختلفة الأسماء والاتجاهات، منها ما هو قومي ومنها ما هو اشتراكي ومنها ما هو ديمقراطي ومنها ما هو شيوعي الخ.. ولكن الحزب القومي هذا يدعو إلى ذلك المفهوم من القومية الذي يريده الاستعمار والبعيد كل البعد عن كل مقومات الأمة وكل ما يشكل شخصيتها.

(1) …مجيد خديوي: عرب معاصرون ص 354 - 356.

(2) …محمد محمد حسين: الاتجاهات الوطنية 414 - 416.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت