الصفحة 21 من 176

وكثير من هؤلاء وأولئك كان يعيش صراعًا نفسيًّا مريرًَا قبل أن ينحاز إلى أحد الفريقين والمعسكرينِ، ثمّ إذا انحاز إلى أحد الفريقين ناصره بكلّ قوّة وشدّة، على قدر ما عانى قبْل ذلك من صراعٍ نفسيّ واضطراب ..

وربّما نشأت في قلوب بعضهم شكوك وشبهات، فحمل أحدهم إشكالاته المقلقة إلى بعض أولئك المشايخ، يريد الإجابة المقنعة، فإذا وُفّق ذلك المسئول، وسُدّد في الإجابة فقد انحلّت المشكلة، وزالت الشبهة، وإلاّ فإنّ الأمرَ في نفوس هؤلاء الناشئين يزدَاد تعقيدًا وإشكالًا ..

وقلّ في الناس من ينهج المنهج الوسط الذي أشرنا إليه، وقد سلكه الشيخ واختاره، وتبدّى في شخصيّته التعليميّة والاجتماعيّة والدعويّة، كما تبدّى في منهجه وَأسلوبه، ولغة خطابه، ومؤلّفاته وكتبه.

وهذا ما سيتّضح لنا بإذن الله تعالى من خلال الوقوف عند كتبِ الشيخ رحمه الله ومؤلّفاته ..

ولقد كان الغزو الفكريّ والأخلاقيّ أخطرَ سلاح وجّهه الاستعمار إلى فئات الأمّة الإسلاميّة وأجيالها؛ فأفْسد العقولَ، وسلبَ الأفئدة، واجتاح بسمومه وشبهاته، وشكوكه وضلالاته قواعد العقائد، والأسس والمبادئ، التي كانت معلومة من الدين بالضرورة، فلم تعُد كذلك، وأصبحت تحتاج إلى إعادة بناء وتأصيل جديد، بلغة خطاب، تقنع الجيل الجديد، بل تستهوي فؤادَه، وتؤثّر فيه .. وكانتِ البيئتَان اللتانِ أشرنا إليهما معزولتيْن عن بعضهمَا غاية العزل وأشدّه: فما يجري للجيل الجديد من غسل للعقول والقلوب لا يعلم عنه الآباء شيئًا ولا يعرفون، بل هم في وادٍ آخرَ، يرونَ الإسلام بخير مَا داموا يلتفّون حول مشايخهم، يلتقونهم صباح مساء، ويلتمسون منهم الدعوات والبركات ..

ويعبّر عن هذا الواقع وما يحمله من أخطار ما كتبه الشيخ في سيرته الذاتيّة إذ يقولُ:"وحفظني الله تعالى في هذه السنوات الثلاث ـ سنوات دار المعلّمين ـ من دعوة الإلحاد، التي كان يلقي إلينا سمومها بعض الأساتذة، الذين درسوا في فرنسا، وفتنوا فيها عن دينهم."

كما حفظني من الانطلاق في الآثام، التي كان بعض رفاقي يتحدّثون بها عن أنفسهم، كأنّها مآثر ومفاخر .. بل كان ذلك حافزًا لي في مستقبل قريب أن أظهر بالمظهر الإسلاميّ، غير مبالٍ بمن يعاديه، وقلت في نفسي: إذا كان أهل الباطل لا يستحيون من باطلهم، فما أجدرني وأنا مسلم، وعلى دين حقّ، أن أظهر بمظهره الكريم، وأعتزّ به وأفخر.!"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت