فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 113

ولكن ليست هذه هي كل المبررات والأسباب التي توجب"الجماعة"كأسلوب عمل، بقيت واحدة هامة وخطيرة لم يهملها ديننا أيضا، إن ديننا ليقرر أن"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

وكم من واجبات مفروضة علينا لا يمكن إطلاقا القيام بها على الوجه الذي أمر به الشرع إلا بالتزام"الجماعة"و"العمل الجماعي".

إن إقامة الدين التي أمرنا بها الشارع بقوله سبحانه: {أن أقيموا الدين} ؛ تقتضي بالضرورة، مواجهة شاملة مع كل أعدائنا الذين يريدون إقامة الجاهلية، وهذه المواجهة بفروضها الشرعية من إعداد وقتال لخلع الحكام العلمانيين الكفار، وقتال للطوائف الممتنعة عن شرائع الإسلام، وما يضاف إلى ذلك من مواجهة مع الجاهلية في شتى الميادين، في ميادين الإعلام والتعليم والتوجيه والتثقيف وغير ذلك.

مما يستلزم خوض غمار مجالات عديدة حتى تتمكن الحركة الإسلامية من مواجهة الجاهلية والانتصار عليها في معركة إقامة الدين، كل هذه الأمور الواجبة لا يتأتى القيام بها على الوجه المطلوب شرعا إلا عن طريق العمل الجماعي المنظم، وبذلك يصير العمل الجماعي واجبا بناء على القاعدة الأصولية؛"وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، يصير العمل الجماعي بكل ما يستلزمه من تجميع الصفوف وترتيبها وتقديم الأمير عليها ورفع الكفاءات المناسبة في أماكنها ومجالاتها، ووضع خطط العمل وتنظيم خطواته، والحصول على أسباب القوة وتحصيلها، والأخذ بها، يصير كل هذا واجبا ولا مناص من ذلك.

إن ترك"العمل الجماعي"إنما يعني - أول ما يعني - أننا نعصي أمر الله ورسوله ونخالفه، كما أنه يعني أننا سنترك أكثر فرائض وشرائع هذا الدين دون أن نقيمها.

إن الدين اليوم لا يقام إلا في بعض شعائره ومناسكه، أما المعاملات والاقتصاد، أما الحكم والتشريع والقضاء، أما الحدود والقصاص، أما الحروب والمعاهدات، كل ذلك تقيمه الجاهلية وتقوم به وتقام فيها أحكامها هي، وإن إقامة الدين في كل هذه الميادين يستلزم كما قدمنا مجابهة عنيفة مع الجاهلية، وبشتى الطرق، وعلى مختلف المحاور، وبكل الأسلحة والإمكانات.

ولن يتأتى لنا أن نقف في وجه الجاهلية إلا إذا تكاتفنا ووحدنا صفنا، واعتصمنا بديننا، وبغير ذلك يكون إقامة الدين حلما أو خيالا لا يمكن تحقيقه ولا حتى تخيل وقوعه.

إن للمسلمين أهدافا لا يمكن أن تتحول من مجرد آمال إلى إنجاز وواقع إلا عن طريق جماعي دائب منضبط شرعا ومنظم حركة، هذا هو السبيل الأوحد الذي به تتحول الأهداف إلى إرادة وعزم، تترجم بدورها إلى خطط عمل وخطوات تحقق المراد منها بإذن الله، ليصير الأمل إنجازا والحلم حقيقة ويتحقق الهدف.

ولعل لنا الحق بعد هذا الذي ذكرناه لنا الحق في أن نعجب وأن ننكر؛ على كل من قال بالعزلة وأراد بذلك الانسحاب من ساحة العمل الإسلامي والفرار من ميدان المواجهة.

عزلة ماذا؟ وعزلة عن ماذا؟

عزلة عن الفروض والواجبات؟!

عزلة عن الجهاد؟! أم عزلة عن القيام بالاحتساب؟! أم عن تبليغ الدعوة للعباد؟!

عزلة عن ما هو فرض عين؟! أم عن ما هو فرض كفاية لم يقم به في زماننا هذا من تتحقق بهم الكفاية؟!

عزلة ونترك البلاد والعباد للعلمانيين؟! ونترك فرض إقامة الدين؟! وننسى القدس والأندلس وسائر بلاد المسلمين؟!

لا ندري من من العلماء قد أفتى بهذه العزلة؟!

من ذا الذي يفتي لنفسه وللناس هذا الزمان بالاعتزال؟ والانقطاع للصلوات والأذكار والدعاء، وترك ما تعين من تعليم للجاهل ونصح للمستكبر، وتغيير للمنكر وأمر بالمعروف، وإعداد للعدة وجهاد للأعداء وتحرير للأرض وإقامة للشرع؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت