و تأتي تشريعات هذا الدين بالحل الأمثل لكل هذه المعضلات، وتأتي تشريعات هذا الدين بالأسس التي يكون باستطاعتنا أن نبني عليها ونقيم فوقها حركة إسلامية واقعية تستطيع أن تجابه الجاهلية وتقطع الطريق وتحقق الهدف ...
وعلينا أن نلتزم ما أمرنا به ديننا ونتمثل له إن كنا حقا صادقين وجادين في سعينا نحو أهدافنا، إن ديننا ليأمرنا: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [آل عمران: 103] ،
قال ابن كثير: (أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف) .
وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: (قال ابن عباس لسماك الحنفي: يا حنفي الجماعة الجماعة فإنما هلكت الأمم الخالية لتفرقها، أما سمعت قول الله عز وجل يقول: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [آل عمران: 103] .
قال القرطبي: (وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛"إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بالله جميعا ولا تفرقوا، ويكره ثلاثة قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال") .
فأوجب تعالى عليهم التمسك بكتابه والرجوع إليه عند الاختلاف وأمرنا بالاجتماع والاعتصام بالكتاب والسنة - اعتقادا وعملا - وذلك سبب اتفاق الكلمة وانتظام الشتات الذي يتم به صالح الدنيا والدين والسلامة من الاختلاف، وأمرنا بالاجتماع ونهى عن الافتراق الذي حصل لأهل الكتابين).
ونقل القرطبي أيضا عن ابن مسعود أنه قال: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [آل عمران: 103] : (قيل الجماعة، فإن الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة فإنها هلكة والجماعة نجاة) .
إن ديننا ليأمرنا: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} [الشورى: 11] ، {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 154] .
قال علي رضي الله عنه: (لا تتفرقوا، الجماعة رحمة والفرقة عذاب) .
قال ابن عباس في الآيتين السابقتين: (أمر الله تعالى المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة) ، وروي نحو هذا عن مجاهد وغيره - ذكره ابن كثير -
إن ديننا ليأمرنا: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 3] ،
قال شيخ الاسلام ابن تيمية: (إن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف ونهيا عن التفرقة والاختلاف وأمرا بالتعاون على البر والتقوى ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان) .
إن ديننا ليأمرنا: (اثنان خير من واحد وثلاثة خير من اثنين وأربعة خير من ثلاثة، عليكم بالجماعة) .
(إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية، فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة) [رواه أحمد] .
إن ديننا ليعلمنا: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} [التوبة: 71] ، {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} [المائدة: 58] .
إن"الجماعة"و"العمل الجماعي"هو الترجمة الوحيدة لأمر الله ورسوله بالوحدة وعدم التفرقة وبالتعاون على البر والتقوى وبالاعتصام بدينه، وإن"الجماعة"هي الصورة الصحيحة للموالاة الكاملة بين المؤمنين.
إن ترك"العمل الجماعي"وتفضيل الفردية والعشوائية في العمل عليه إنما يعني معصية أمر الله ورسوله والوقوع في الفرقة وترك الوحدة، وإهمال التعاون على البر والتقوى والانتقاص من درجة الموالاة للمؤمنين.
كل هذا يعطينا المبررات الكافية والأسباب الموجبة لتبني أسلوب العمل الجماعي واختيار"الجماعة"كطريق أوحد لطاعة الله ورسوله في هذه الأوامر.