فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 113

إنها لعبرة عظيمة تلك هي التي يعطيها لنا التاريخ، إنه يقول لنا:

إن لم تقاتلوا بحق فسيقاتلكم عدوكم بباطل.

إن لم تتقدموا فسوف يتقدمون.

إن لم تخرجوهم من الظلمات إلى النور ولو بحد السيف، فسيخرجوكم من النور إلى الظلمات ولو بحد السيف.

هذه هي عظة التاريخ، وهذه هي طبيعة هذا الدين، وهذا هو حقد العدو الدفين، وهذه هي أحكام هذا الدين.

كل هذا يمثل حتمية للجهاد في سبيل الله.

قال ابن تيمية: (وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة، كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن ونحوهم، فلا يقتل عند جمهور العلماء، إلا أن يقاتل بقوله أو بفعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر إلا النساء والصبيان لكونهم مالا للمسلمين، والأول هو الصواب، لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله، كما قال الله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة: 149] ، وذلك أن الله تعالى أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق كما قال تعالى: {والفتنة أكبر من القتل} [البقرة: 215] ، أي أن القتل، وإن كان فيه شر وفساد، ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه) .

فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله؛ لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه، ولهذا أوجبت الشريعة قتال الكفار ولم توجب قتل المقدور عليه منهم.

بل إذا أسر الرجل منهم في القتال، أو أخذ بحيلة مثل أن تلقيه السفينة إلينا أو يضل الطريق، أو يؤخذ بحيلة، فإنه يفعل فيه الإمام الأصلح من قتله أو استعباده أو المن عليه أو مفاداته بمال أو نفس عند أكثر الفقهاء، كما دل عليه الكتاب والسنة، وإن كان من الفقهاء من يرى المن عليه ومفاداته منسوخا، فأما أهل الكتاب والمجوس فيقاتلوا حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ومن سواهم فقد اختلف الفقهاء في أخذ الجزية منهم إلا أن عامتهم لا يأخذونها من العرب.

وأيما طائفة ممتنعة انتسبت للإسلام وامتنعت من بعض شرائعه الظاهرة المتواترة فإنه يجب جهادها باتفاق المسلمين حتى يكون الدين كله لله، كما قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه وسائر الصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة أنه أمر بقتال الخوارج، فثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة أنه يقاتل من خرج عن شريعة من شرائع الإسلام وإن تكلم بالشهادتين، وقتال هؤلاء واجب ابتداء بعد بلوغ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بما يقاتلون عليه، فأما إذا بدأوا المسلمين فيتأكد قتالهم.

وأبلغ الجهاد الواجب للكفار والممتنعين عن بعض الشرائع - كمانعي الزكاة والخوارج ونحوهم - يجب ابتداء ودفعا، فإذا كان ابتداء فهو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط الفرض عن الباقين، وكان الفضل لمن قام به، كما قال الله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} [النساء: 94] .

فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين؛ فإنه يصير دفعه واجبا على المقصودين كلهم وعلى غير المقصودين لإعانتهم، كما قال الله تعالى: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} [الأنفال: 73] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت