لم يكن المصطفى صلى الله عليه وسلم مأمورا بقتال أحد وهو بمكة، بل كان مأمورا بالصفح والإعراض وأن لا يرد على أحد إيذائه، ولكن الجاهلية لم يمنعها شيء من ذلك عن المضي في التنكيل والقتل الذي جعلته جزاء للدعوة والبلاغ، ولم يكن للجاهلية وقتها من هدف إلا صد المسلمين عن دينهم وإعادتهم إلى حظيرتها مرة ثانية.
فلما هم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة وأحست قريش بذلك أجمعت الرأي على قتله قبل هجرته، وأعدت العدة لذلك! بالرغم من أنه كان سيخرج من بين ظهرانيهم، تاركا لهم البلاد والعباد والآلهة المزعومة!
و ينقذ الله نبيه ليمضي صوب المدينة، وتجد قريش في طلبه، وترصد العطايا لمن يأتي به حيا أو ميتا صلى الله عليه وسلم قبل وصوله إلى المدينة!
إنهم يرفضون أن يتركوا هذا الدين ولو كان سيمضي بعيدا عنهم، وإن كان سيلجأ إلى دار غير دارهم، ساعون بطبعهم للقضاء عليه أينما كان، لذا سيروا الجيوش في بدر وأحد والأحزاب وكانوا في كل مرة يعقدون العزم على أن لا يعودوا قبل استئصال محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
لقد أمر الله نبيه بالصبر وعدم رد الأذى لحكمة اقتضتها حداثة هذا الدين على الأرض وأهلها بما في ذلك أهل مكة، كان القتال آنذاك حراما غير مأذون فيه ووقتها حمى الله نبيه ودينه ودعوته من كيد الكافرين.
فلما هاجر صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة أمروا بقتال من قاتلهم، وما كان بوسع المسلمين يومها أن يقولوا: لا بل نصفح ونصبر كما كنا بمكة وسيحمي الله دعوته كما حماها من قبل بمكة، ما كان بوسعهم أن يقولوا ذلك، ولو قالوه وعملوا به لاستأصلتهم جيوش وحلفاء قريش عن بكرة أبيهم، ولما قامت لهذا الدين قائمة.
فلما أنزل الأمر بقتال المشركين كافة حتى يكون الدين كله لله، ما كان للمسلمين أن يمكثوا داخل المدينة قائلين من أتانا واعتدى علينا قاتلناه، ولكنا لن نبدأ أحد بقتال، ولو قالوا ذلك وعملوا به لما استطاعة دعوتهم أن تخرج من المدينة، ولوقفت قبائل العرب بسيوفها تمنع هذا الدين من أن يخطو خطوة خارج داره، ولمنع كسرى وقيصر دعوة هذا الدين من مجرد التطلع للوصول إلى فارس والروم، ثم لانقضت جموع الكفر وجحافله على المدينة تستأصل هذه الثلة القابعة فيها التي عصت أمر ربها وخالفت شرعه، ولانتهى هذا الدين واندثر منذ زمن بعيد.
غير أن شيئا من ذلك لم يحدث، لأن الله تعالى تكفل بحكمته وقدرته بإيجاد جيل، وتنشئته على أن يقول لربه: {سمعنا وأطعنا} ، ويصبر عندما يؤمر بذلك، ويقاتل عندما يؤمر بذلك، وعلى أكتاف هذا الجيل قام صرح الإسلام، وبدماء أبنائه انتشرت دعوته واتسعت رقعة دولته.
وإن التاريخ ليشهد أنه ما من مرة يتوقف المسلمون عاجزين أو متقاعسين عن التقدم بجيوشهم للفتح إلا وتأتيهم الجاهلية بجيوشها لتردهم وتقتحم عليهم دورهم من ذات الثغر، إنها لعبرة عظيمة تلك التي نخلص بها إذا علمنا أنهم يدخلون إلى دورنا من نفس الثغر الذي تتوقف فتوحاتنا عنده!
تتوقف مسيرة الفتح الإسلامي عند سور الصين شرقا، فتأتيها من خلفه بعد حين جحافل التتار تسحق الإسلام وأهله وتمزق خلافته.
تتوقف فتوحات المسلمين بعد الاستيلاء على الأندلس عند جنوب فرنسا وتنهزم جيوشنا في"بلاط الشهداء"، وتدور الأيام ليأتي جنود الصليب من نفس الثغر فتسقط في أيديهم الأندلس، ثم تدور جيوشهم وسفنهم حول الرجاء الصالح لتعربد في البحر الأحمر وترسوا على الساحل الشرقي للبحر الأحمر مهددة أرض الحجاز.
تتوقف فتوحات العثمانيين عند حدود فيينا في قلب أوروبا وتدور الأيام وتأتي جيوش أوروبا من خلف فيينا لتسقط دولة الخلافة من تركيا وتنطلق تمزق أرض الخلافة إربا إربا.