وهذا عين ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية قال: (يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) .
والجهاد حتمية تمليها علينا طبيعة هذا الدين وطبيعة الجاهلية من حولنا؛ فالإسلام والكفر لا يمكن بأي حال أن يتعايشا سويا متصافيين فوق سطح الأرض وإن كلا منهما وهذه طبيعته ليضيق بالآخر ذرعا، وينتفض غيظا من رؤيته ظاهرا مستعليا فوق أي بقعة من بقاع الأرض، وإن نأت عنه وعن داره، لذا ترى كلا منهما - وليسوا سواء - ساع بطبعه لاجتثاث الآخر والقضاء عليه، وتدور رحى الحرب بينهما وتأبى أن تضع أوزارها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
(لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل آخرهم الدجال) .
هذه سنة من سنن الحياة ليس لنا أن نتعامى عنها أو نتغافل، وحتى إن نحن فعلنا ذلك فلن ينفعنا تعامينا وتغافلنا، لأن عدونا لن يهدأ له بال ولن يستقر له قرار حتى يردنا عن ديننا إن استطاع إلى ذلك سبيلا، عياذا بك اللهم.
وهدف كل معسكر من المعسكرين - الإسلام والكفر - في حربه ضد الآخر واضح صريح، وإن كان الكفر وأهله يعمدون أحيانا إلى التضليل والتعمية والتمويه حتى يمكنهم التسلل بليل فيصيبوا منا غرة ونحن نائمون غافلون عنهم وعن مخططاتهم وكيدهم وحربهم.
فالإسلام يسعى للقضاء على الكفر واستئصاله، ومنعه من العلو كشرائع أو الظهور كشعائر، ويضيق عليه الخناق ليحصره في قلوب بعض أهل الكتاب عقيدة لا تجرؤ على الخروج أو الاستطالة كشرائع أو شعائر بينما يدفع أهله الجزية عن يد وهم صاغرون.
هذا هو هدف الإسلام، إنه يسعى لإجتثاث أصول الكفر ليغرس غرس الإيمان، يمحو شرائع الجاهلية بالكلية ليعلي شرعة الرحمن، ويضيق الخناق على شعائره لتستخفي ولا تجرؤ على الاستعلاء، هذا هو هدف الإسلام.
وعلى المسلمين أن يجهروا بهذا الهدف، وأن يعدوا له عدته.
و الشرك ساع للقضاء على الإسلام واستئصاله، محاولا قتله وطمس معالمه ومحو شرائعه، ولا يدخر في سبيل ذلك وسعا، ولا يألو جهدا، ولا يترك حيلة، وهذا ما أخبرنا به القرآن: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق} [البقرة: 108] ، {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} [البقرة: 215] ، {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} [البقرة: 119] ، {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم} [التوبة: 32] .
وسنكون غاية في الغباء إن نحن بعد هذا البيان تعامينا وتغافلنا وأدخلنا السيوف في أغمادها قبل أن نستأصل كل القوى المادية التي تحمي الكفر وترفع رايته وتعلي شرعته، وقبل أن نسقط كل مظهر من مظاهره، وقبل أن نسوي بالأرض كل أنظمته.
سنكون غاية في الغباء إن نحن ظننا أو خيل إلينا أن الكفر سيكف عنا سيفه إن نحن كففنا عنه سيوفنا، ليقبع كل منا آمنا داخل داره ... إن ظننا ذلك وفعلنا ذلك سنخسر مرتين، سنخسر الدنيا والآخرة، سنخسر ديننا ودنيانا، لأن جيوش وجحافل الكفر ستميل علينا ميلة واحدة، لا ترقب فينا إلا ولا ذمة، ولن تحفظ لنا جميلا ولا عهدا، لتعمل فينا السيف بالرغم من أننا لم نشهر في وجهها سيفا.
والتاريخ يشهد على ذلك، ويعلمنا أن الجهاد حتمية تاريخية.
فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرفع في وجه قريش سيفا قبل الهجرة ولكن هذا لم يمنعهم من إيذائه وقتل أتباعه، لمجرد أنه نادى فيهم: (إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) ، لمجرد أنه دعاهم: (قولوا لا إله إلا الله) [رواه أحمد] .