فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 113

وإن الله تعالى حذرنا وعلينا أن نحذر؛ {يا بني آدم لايفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة} [الأعراف: 27] ، {ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين} [البقرة: 208] ، علينا أن نحذر الإغواء والإغراء، وأن نعتصم بديننا وشرعتنا موقنين أن فيها الكفاية لنا والهداية، وأن ما عداها ضلال وغواية.

وقديما حاولت الجاهلية مع رسولنا صلى الله عليه وسلم لتزيغه عن الطريق، وليرتضي بدائلها وطرائقها هي في الرفعة والتمكين، عرضوا عليه المال حتى يكون أغناهم، والجاه حتى لا يقطعوا أمرا دونه، بل والملك ليصير ملكا عليهم، ومنهم من عرض عليه أن يعبد الله عاما في مقابل أن يعبد رسولنا صلى الله عليه وسلم آلهته عاما، وتوالت العروض، {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا، ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا، إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا} [الإسراء: 73 - 75] ، و {ودوا لو تدهن فيدهنون} [القلم: 9] ، وعصم الله تعالى نبيه من أن يسير على درب الجاهلية وعلى كل من يتصدى لحمل أمانة هذا الدين أن يعرف جيدا أن هذا الدين قد اكتمل، وأنه شامل مستغن عما سواه من مناهج جاهلية {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] .

لقد اكتمل هذا الدين عقيدة، وشعائرا وشرائعا، وكان مما جاء به تحديد الطريق التي يجب على أتباعه سلوكها لتحقيق النصر له ولتمكينه، وكان مما جاء به تحديد الوسائل التي يتعامل بها أتباعه مع من حولهم على اختلافهم، والإسلام في تعامله متميز في أساليبه وطرقه التي جاءت متسقة مع غاياته وأهدافه متمشية مع منهجه.

ولا يصح لنا بحال أن نقتبس طرقا وأساليب من صنع الجاهلية أو من وحيها لنتعامل بها وندعي أننا ساعون لنصرة ديننا ماضون لتحقيق أهدافنا ولنيل غاياتنا.

بل الحق أننا بذلك مساعدون للجاهلية في سعيها هي للوصول لغاياتها ولتحقيق أهدافها، شئنا أم أبينا، وإن غاياتنا نحن وأهدافنا لابد أنها ستنحرف عما جاء به الإسلام لتلتقي أو تقترب مع غايات الجاهلية وأهدافها كنتيجة حتمية للسير على دربها، شئنا أم أبينا.

إن الوسيلة في الإسلام ليست شيئا خارجا عن شريعته، ليس أمرا مبتكرا لم يعرفه من قبل منهجه، وليست بالأمر الثانوي إن جاز التعبير الذي يمكن الاستغناء عنه واستبدال غيره به مع الاحتفاظ ببقية سمات المنهج وخصائصه.

هذا وهم وخيال عريض، إنه لا يتصور مطلقا بقاء الإسلام إذا ما غيرنا عقيدته أو شعائره، كذلك لا يتصور بقاؤه إن نحن غيرنا أساليب تعامله وطرق سعيه، هذه كتلك ولا فرق على الإطلاق، وإن الإسلام ليأنف من عقائد الجاهلية وشعائرها وينهى أتباعه عن الاقتراب منها، وهو أيضا يأنف من أساليبها ووسائل عملها وينهى أتباعه عن الاقتراب منها؛ {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} [هود: 113] .

ونهاية، فليس هذا مجال مقارنة بين طرق الإسلام في تعامله مع الواقع وأساليبه في التغيير، وبين الطرائق والأساليب التي يطرحها غيره من مناهج جاهلية كطرح الرأسمالية لليبرالية، والشيوعية للصراع الطبقي، وغير ذلك ليس هذا مجال عقد مثل هذه المقارنة، فالصفحات تضيق عنها، وتضيق صدورنا أيضا، وتأبى علينا عزة الإسلام أن نعقد مقارنة بين ديننا وما سواه، فأنى لمنهج من صنع بشر أن يرتقي ليقترب من مرتبة تسمح له وتجرؤه على أن يطمع في مجرد عقد مقارنة بينه وبين الإسلام ولو في جزئية واحدة من جزئياته، ألا شاهت الوجوه، {وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور} [فاطر: 19 - 21] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت