عليهم أن يعدوا أنفسهم ليكونوا دعاة وقت الدعوة، بكل ما يلزم الدعاة من علم وحكمة وحسن بيان وقوة حجة وذكاء وفطنة ودراية بالنفس وأهوائها وأدوائها وأدويتها.
كما أن عليهم أن يعدوا أنفسهم ليكونوا محتسبين بكل ما يلزم المحتسب من علم وصبر وقوة شكيمة وعزم وجرأة في الحق.
وعليهم أن يعدوا أنفسهم ليكونوا مجاهدين بكل ما تحمله هذه الكلمة من قوة وشجاعة وإقدام وتضحية وكفاءة وتدريب واستعداد ودراية.
والحركة الإسلامية ستخفق حتما في تحقيق هدفها من تمكين لدين الله تعالى في أرضه إذا ما أهملت أو قصرت في تربية أبنائها هذه التربية الشاملة مقتصرة على بعض الجوانب ومهملة للبعض الآخر، ستخفق حتما لأنها تعامت عن بعض سبل الدعوة بإغفال إعداد السالكين الذين يصلحون للسير على دربها.
وإيضاحا لهذا المعنى نقول: إنه لا يكفينا لتحقيق العودة لهذا الدين وتمكينه، لا يكفينا أن نكون مجموعة من الوعاظ والمبشرين، لا نحسن إلا الدعوة والوعظ فقط، ناسين أو متناسين أن هناك من النفوس ما لا يرده عن غيه إلا صده والأخذ على يده، وإن هناك من الأنظمة والطوائف ما لا يردعها إلا السيف.
كما أنه لا يكفينا أن نتحول جميعا إلى كتيبة مسلحة تشهر السلاح في كل موطن، ولا تعرف كيف تدعو الناس وكيف تربيهم على هذا الدين، لا تعرف متى ترفق ومتى تصفح، لا تعرف إلا السيف والسنان، غافلة أو متغافلة عن أن هناك من تكفيه كلمة زجر ولا تصح معه ضربة سيف.
إنه لقصور خطير أن نقف في موقف"الدعوة"بغير دعاة ليس معنا إلا السيف، وفي ميدان القتال وليس لدينا إلا الوعاظ والمبشرون.
وصلى الله على النبي الأمي الأمين الذي كان: {شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} [الأحزاب: 45 - 46] ، وكانت صفته: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} [الأعراف: 157] ، {فقاتل في سبيل الله} [النساء: 84] ، {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} [الأحزاب: 21] .
القضية الثالثة:
هي أن طرحنا لـ"الدعوة"و"الحسبة"و"الجهاد"كطرق للتعامل مع الواقع سعيا وراء تغييره وفق ما يريده الإسلام أو بعبارة أبسط كأساليب للتغيير يعني بداهة أننا نرفض ما سوى ذلك من أساليب ما أنزل الله بها من سلطان.
نرفض ما عداها من طرق مبتدعة لم يأت بها الإسلام ولم يرضها لنا الشارع سبحانه ... نرفض كل الوسائل التي تطرحها الجاهلية كأساليب عمل وأدوات تغيير من خلال مؤسساتها وأنظمتها ووفق مبادئها ونظمها هي ... نرفضها ونلفظها ونترفع عن أن ندنس أنفسنا بالخوض في غمارها، ونردها لأنها من أمر الجاهلية.
ولقد قال صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: (ألا وإن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع) [رواه أبو داوود والترمذي وابن ماجة] .
فما كان لنا أن نأتي اليوم لنستخرج شيئا من أمر الجاهلية من تحت قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنتخذه لنا طريقا.
سيزين لنا شياطين الإنس والجن هذه الطرق الجاهلية وينمقوا لنا السير على دربها ويصورها لنا خادمة لدين الله مقربة ليوم نصره وتمكينه، وماذا علينا لو اغتنمنا هذه الفرصة المتاحة وسرنا على هذه الطرق المفتحة.
ولعن الله إبليس فلقد زين لآدم معصية ربه ووسوس له حتى أخرجه من الجنة بقوله الذي حكاه القرآن: {قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} [طه: 120] .