فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 113

وهي لمن عظمة الإسلام وشموله أن تتعدد أساليب تعامله مع الواقع أو ما يمكن تسميته بأساليب التغيير بدءا من دعوة لينة فيها الرفق والموعظة الحسنة ومقابلة الإساءة بالإحسان، إلى أن تصل إلى الضرب بحد السيف والطعن بالرمح والرمي بالسهم والإثخان في الأرض، وبين هذا وذاك درجات ودرجات، تندرج كلها ضمن الثلاثة أساليب المذكورة آنفا"الدعوة"و"الحسبة"و"الجهاد"إن هذا يتم بجلاء عن واقعية هذا الدين في تعامله مع الناس، إنه يدرك أن النفوس تختلف تبعا لذلك مواقعها ومواقفها التي تتخذها من هذا الدين قربا أو بعدا، قبولا أو رفضا، امتثالا أو إعراضا، إذعانا أو استكبارا، مسالمة أو حربا.

لذا تعددت أساليب هذا الدين في تعامله مع الواقع كي يتمكن من استيعاب كل المواقف المتخذة حياله من كل الأفراد والتجمعات والطوائف والأنظمة، حتى يتمكن من تغيير أي واقع أيا كانت معطياته والسير به أو تسييره نحو الالتزام بمنهج هذا الدين أو الإذعان له.

هناك"الدعوة"كأداة لتغيير المفاهيم لدى الناس، عن طريق مخاطبة العقل والقلب بالحجة والنصح، سعيا لتغيير القناعات الباطلة المستقرة في العقول والقلوب، وتبديلها لإخراج الكافر من ظلمة الجاهلية إلى نور الإيمان ولإخراج المبتدع من ظلمة الشبهة إلى نور السنة، ولإخراج العاصي من ظلمة الشهوة إلى نور الطاعة.

فمن استجاب فبها ونعمت، أما المعرضون فتختلف درجاتهم وتتفاوت منازل إعراضهم، فهذا يتمثل إعراضه في صورة فردية: بترك مأمور أو ارتكاب منهي عنه، وهذا مجال"الحسبة"ودورها بدرجاتها المتتالية كأداة فعالة للتغيير ترد المخطئ إلى الصواب وتعيده إلى الرشاد أو تردعه أو تكف عن الباقين شر ضلاله وإضلاله على الأقل.

وهناك من يعرض ويصد عن سبيل الله، هناك من يعرض ويأبى أن يترك دعوة الإسلام تمضي تشق طريقها إلى قلوب الخلق، فيمنع الناس عنها ويمنعها منهم بسيفه وسلطانه، هناك من يعرض ويأبى إلا أن يحمل الناس على شرعته ومنهاجه مقتديا بفرعون، إذ قال كما حكى قوله القرآن، {ما علمت لكم من إله غيري} [القصص: 38] ، و {أنا ربكم الأعلى} [النازعات: 24] ، وهؤلاء جميعهم لا يصلحهم أو يصلح معهم إلا السيف.

وهنا يكون"الجهاد"هو أداة التغيير المناسبة حيث لا تجدي"الدعوة"لتغيير المفاهيم الحاكمة لحركة هؤلاء، ولا تكفي"الحسبة"لردعهم وإزالة هذه المنكرات، فلم يعد هناك من طريق مع هذه الأصناف إلا تسوية الصف وحمل السيف، {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} [الصف: 4] .

إن الدعوة والحسبة والجهاد، كل منها له مجال عمله وحدوده الخاصة به، ولكل منها كذلك فقهه وضوابطه، ولكل منها أحوالها التي تستدعي القيام به ولا يصلح لها غيره.

كل هذه الأمور يجب أن تتضح تماما وتستقر وتستبين بجلاء، وإنه لمعيب أن نخلط بين"الدعوة"فقها ومجالا وبين"الحسبة"أو"الجهاد"، وإنه لمعيب أن يغلط العاملون للإسلام في هذه الأمور، فيغلظ أحدهم في موضع الرفق، أو يلين في موضع الشدة، ويقف أحدهم واعظا في ميدان القتال، أو يحمل السيف بدلا من ارتقاء منبر الدعوة.

وسواء كان حامله على الخلط جهله أو هواه، فإن كان لا يدري فتلك مصيبة، وإن كان يدري فالمصيبة أعظم.

القضية الثانية:

وهي أن أبناء الحركة الإسلامية الساعين بهذا الدين، عليهم أن يعرفوا جيدا ما هو المطلوب منهم تجاه الواقع الذي يحيط بهم، وبدعوتهم، عليهم أن يدركوا جيدا طبيعة الدور المنوط بهم القيام به، عليهم أن يستشعروا عظم وضخامة المسؤولية الملقاة على عاتقهم هم وحدهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت