فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 113

تسألني؛ ماذا أقصد بالعبودية وهل هي صلوات وأذكار وأدعية؟ أقول لك: بل هذا جزء منها، وإلا فهي تتسع لتشمل كل أمور الدنيا، وكل أحوال الخلق.

العبودية التي يريدها الله جل وعلا من عباده هي أن يقولوا بلسان الحال والمقال كما قال إبراهيم عليه السلام: {أسلمت لرب العالمين} [البقرة: 131] .

أن يقولوا بفعلهم وقولهم كما أُمر محمد صلى الله عليه وسلم: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت} [الأنعام: 162 - 163] .

العبودية التي خلقنا الله عز وجل لتحقيقها؛ هي أن نصير وتصير حياتنا كلها تبعا لما يحبه الله ويرضاه، وبما أمر به الله وبما شرعه الله سبحانه أن يكون صباحنا ومساؤنا، فكرنا وذكرنا، جهادنا وحركتنا، حياتنا ومماتنا لله رب العالمين.

قال شيخ الاسلام ابن تيمية في تعريف العبادة: (هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة الظاهرة، وكذلك حب الله ورسوله وخشيته والإنابة إليه، وإخلاص الدين والصبر لحكمه والشكر لنعمه والرضا بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف لعذابه وأمثال ذلك هي من العبادة لله، وجماع العبادة كمال الحب مع كمال الذل) .

وهذا هو هدفنا الذي ذكرناه"تعبيد الناس لربهم"في السراء والضراء، في العسر واليسر، في المنشط والمكره، في الشباب والمشيب، في الأخذ والعطاء، في الحب والبغض في المنح والمنع، يجب أن يكونوا عبيدا لله في كل هذا، والعبد ليس له من أمر نفسه شيء بل هو مملوك يأمره مولاه، فلا يملك إلا أن يطيع مولاه، فإن لم يفعل كان آبقا شاردا عاصيا.

وليس للعبد أن يطيع مولاه في بعض أوامره ويعصيه في البعض الآخر، وإلا كان؛ {رجلا فيه شركاء متشاكسون} [الزمر: 29] .

بل يطيعه في كل أمر، في الصغير والكبير ليكون كما ذكر القرآن في المثل؛ {ورجلا سلما لرجل} [الزمر: 29] .

"العبودية لله"؛ هي التي تنقص الكثيرين من البشر وتغيب عن كافة المجتمعات، وإن غيابها هو سبب الشقاء والتعاسة التي تحياها الشعوب والجماعات والحكومات والأفراد.

قف وسل نفسك؛ ما هو سبب كل ما تعانيه البشرية اليوم؟ إنه غياب العبودية الحقة لله، إنه صرف العبودية لغير الله.

إن السماوات والأرض لا يستقيم أمرها إلا بإله واحد يسير شؤونها، ولو تعددت الآلهة لفسدت السماوات والأرض، {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] ، وكذلك الدنيا فسدت واضطرب أمرها لأن الناس اتخذوا مع الله آلهة أخرى، ومنهم من أعرض عن ربه بالكلية واتخذ إلها آخر.

يقول ابن القيم: (وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا كذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فسادا لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج هذا المعبود منه ويكون الله تعالى إلهه ومعبوده الذي يحبه ويرجوه ويخافه ويتوكل عليه وينيب إليه) .

وصدق رحمه الله فيما قاله، إن أي فساد وأي شر وأي خبث تجده في حياة البشر فاعلم أن مرده إلى أمر واحد هو أن الناس قد خلعوا عن قلوبهم رداء عبودية الله وألبسوها وأشربوها عبودية من سواه.

واعلم أنه لا صلاح للخلق إلا أن يخرجوا من قلوبهم ما سوى الله ليكون الله وحده هو ربهم ومولاهم ومعبودهم، عندها تستقيم الحياة وتعتدل الموازين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت