فالنصارى يعبدون المسيح، واليهود عبدوا العجل، ومشركوا العرب عبدوا الأصنام وهناك من عبد صنما من عجوة يصنعه بيده حتى إذا ما جاع أكله، أكل إلهه الذي كان يركع له ويسجد منذ قليل، أكل إلهه الذي كان يدعوه ويرجوه ويحبه ويتذلل إليه، أكل إلهه الذي كان يسأله منذ قليل أن يطعمه ويسقيه، فلما لم يستجب له أكله، وهناك من يعبد النار، وهناك من يعبد البقر، وهناك من يعبد الشجر، وهناك من يعبد الشمس والقمر، وهناك من يعبد هواه، {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله} [الجاثية: 23] .
قال ابن عباس: (الهوى إله يعبد من دون الله) .
وفي الأثر: (ما تحت أديم السماء إله يعبد أعظم من هوى متبع) .
رحم الله ابن القيم وهو يتحدث عمن اتخذ إلهه هوا: (فهو متعبد لغير الله حبا وخوفا ورجاء وسخطا وتعظيما وذلا، إن أحب أحب لهواه، وإن أبغض أبغض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع لهواه، فهواه آثر عنده وأحب إليه من رضا مولاه، فالهوى إمامه والشهوة قائده والجهل سائقه والغفلة مركبه) .
وهناك من يتكبر عن عبادة الله فإذا به يصير عبدا للدرهم والدينار.
ففي الحديث الصحيح: (تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش إن أعطي رضي وإن منع سخط) [رواه البخاري] .
قال ابن حجر: (عبد الدينار؛ أي طالبه الحريص على جمعه القائم على حفظه، فكأنه لذلك خدمه وعبده) .
وهناك من تكبر عن عبادة ربه فعبد حاكما يشرع من دون ربه مثلما عبد أهل الكتاب من قبل أحبارهم ورهبانهم من دون الله، {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31] .
قال عدي بن حاتم: (يا رسول الله ما عبدوهم؟!) ، فقال صلى الله عليه وسلم: (حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فأطاعوهم فكانت تلك عبادتهم إياهم) [رواه الترمذي وأحمد] .
إن مهمتنا هي أن نهز الناس هزا عنيفا بهذه الحقيقة، ونقول لهم: {أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} [يوسف: 39] .
نهزهم هزا عنيفا، {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولوا اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره} [الحج: 73 - 74] .
نهزهم هزا عنيفا، {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا} [الزمر: 29]
ونهزهم ونقول لهم؛ اختاروا إما عبودية لله تعالى وإما عبودية لآلهة متعددة متشاكسة، لا تضر ولا تنفع، ولا تخلق، ولا تنصر ولا تعز ولا تذل، ولا تحيي ولا تميت، {واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون} [يس: 74 - 75] ، {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} [مريم: 81 - 82] ، آلهة تتبرأ منهم يوم القيامة وتسلمهم إلى مصيرهم.
وعجبا للخلق كيف يعرضون عن عبادة الله تعالى وفيها عزتهم وكرامتهم في الدنيا وفيها سعادتهم وفوزهم في الآخرة، كيف يعرضون عن كل هذا ويقعون في حمأة الشرك، في عبودية الأنداد، يعظمونها ويحبونها ويتذللون لها، ويخضعون ويخشعون ويقدمون القربات والقرابين ثم لا تغني عنهم شيئا في الدنيا لا ترزقهم ولا تنصرهم بل هم الذين يحمونها ويحرصونها، ثم في الآخرة لا تشفع لهم ولا تنفعهم بل تكون عليهم ضدا، {لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا} [الإسراء: 22] ، {ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا} [الإسراء: 39] .