فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 113

عقيدة؛ تعطينا القاعدة المتينة السليمة التي منها ننطلق نحو غايتنا، موقنين أن الله تعالى وحده هو المعبود بحق، لأنه المالك المتصرف في ملكه، ولأن له سبحانه كل صفات الكمال، فهو إذا غايتنا التي لا غاية وراءها، ولا غاية أكبر منها فهو سبحانه من كل شيء أكبر.

عقيدة تجعل الأمر كله لله ولرسوله، وتجعل الإقرار بذلك من شروط الإيمان، وتجعل الالتزام به من متطلباته ومن علامات صدقه، {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] ، {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] .

عقيدة؛ ترد الأمر عند التنازع لله ورسوله؛ {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النساء: 59] .

وهي بذلك توحد الفهم وتقضي على مادة الفرقة والاختلاف، وتوحد الصف، تعطي الغاية والطريق، وتجمع المؤمنين لتضعهم سويا على درب واحد، فترى أصحابها مهما تباعدت ديارهم ونأت أوطانهم واختلفت أجناسهم وتباينت ألوانهم، تراهم رغم كل هذا يسعون لغاية واحدة، ويعملون لهدف واحد، يلتزمون منهجا واحدا، ويسلكون ويسيرون على درب واحد.

عقيدة؛ تجعل الفرد رقيبا على نفسه في دنياه، لأنه يعلم أنه سيقال له غدا؛ {كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} [الإسراء: 14] ، فتجعل في قلبه ما يمنعه ويردعه عن الخروج عن أمر ربه وشرعه وحكمه، وما يرده إذا ما أبق أو شرد، وما يدفعه لأن يتقدم دوما ويعمل بطاعة الله، ويسرع في مرضاته.

وهذا هو الفارق الأعظم بينها وبين ما سواها من المناهج والنظريات، هذا هو الذي يسمو بها ويعلو، ويعليها فوق كل ما سواها، فالإسلام يسمو بعقيدته هذه إلى قمة شامخة يرنو إليها كل ما عداه، ولا يحلم أن يدنو منها فضلا عن أن يصل إليها.

إن هذه العقيدة تجعل صاحبها موقنا بأن الله تعالى معه يسمع ويرى كما أنه يعلم ما يكنه صدره وتخفيه نفسه وأنه سبحانه سيبعثه ليحاسبه ويجازيه.

روى الإمام أحمد بسنده عن صعصعة بن معاوية أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة 7 - 8] ، قال: (حسبي لا أبالي أن لا أسمع غيرها) [وهكذا رواه النسائي في التفسير بسنده عن صعصعة أيضا] .

عقيدة؛ تحدد الولاء وتوجهه، فتجعله لله ولرسوله وللمؤمنين، ومن عدا ذلك فله من العداء على قدر بعده عن ربه ومحاداته لخالقه.

عقيدة؛ تخرج صاحبها من ضيق الدنيا وحقارتها إلى سعة الآخرة وعظمتها، فترى أصحاب هذه العقيدة يسيرون على الأرض بينما قلوبهم معلقة بالسماء يتزودون من الدنيا للآخرة، لا يسعون لدنيا فانية زائلة حقيرة، لا يريدون منها إلا ما يعينهم في سفرهم إلى الله، والدار الآخرة، {وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون} [الأنعام: 32] ، {والله خير وأبقى} [طه: 73] .

عقيدة؛ تجعل المسلم المستمسك بحبلها يحيا عزيزا في الدنيا لا يعرف ذلة ولا مهانة، يتغير حاله بين العسر واليسر، بين السعة والضيق، بين النصر والهزيمة، ولكن شيئا من هذا لا ينال من عزته واستعلائه بإيمانه لأنه يستمد عزته واستعلائه من ربه وهو العلي العظيم، {وهو العزيز الحكيم} ، لا يستمدها من مال ولا جاه، ولا سلطان ولا عصبة، لا يستمدها من أي قوة على وجه الأرض، ولكنه صورة حية وترجمة حقيقة لقوله تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون 8] ، وقوله سبحانه: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 139] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت