وحياتهم مؤسس فقط للحياة الدنيا الدنيئة. والدين لا يدخل في التشريع والهدف العام للدولة والنظام وإنما هو متروك لرغبة الأفراد وحرياتهم الشخصية. وهذا هو الفارق الأساسي اليوم بين أم الإسلام التي يجب أن يكون اجتماعها والتئامها وفق العقيدة وبين أمم الكفر المعاصرة التي لا تجتمع إلا على هذه الحياة الدنيا الصغيرة الفانية والتي تنتظر وراءها عذاب الله وسخطه وعقابه.
إن الغاية التي من أجلها ابتعث الله أمة الإسلام قد اختصرها أحد التابعين وهو ربعي بن عامر عندما قال لرستم الفارسي: (إن الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام) . ولا شك أن هذه غايات سامية، ورسالة شريفة، يرخص في سبيل تحقيقها كل غال، ويهون كل صعب ويضحي من يعلم حقيقتها في سبيلها بالنفس والمال.
باختصار الأمة الإسلامية أمة عقيدة وهدف وغاية شريفة عظيمة وهذه نقطة البدء في تكوينها والمحور والمركز الذي يدور عليه نظامها. ويجتمع عليه شملها.
(ج) المسلمون جميعا أمة واحدة:
وأما الأساس الثالث الذي يقوم عليه نظام الاجتماع في الإسلام فهو أن المسلمين جميعا أمة واحدة، هدفهم واحد وصراطهم وطريقهم واحد ودستورهم واحد، وهم جميعا متساوون لا فضل بينهم إلا بالتقوى، ولا ميزة لأحدهم بسبب لون أو جنس أو وطن. وهذه الوحدة الجامعة هي أعظم مظهر من مظاهر الإسلام، وأعظم منجزاته وما يحققه على الأرض في الاجتماع البشري، فلم يوجد مجتمع متعاون متكافل متحاب بمثل ما وجد المجتمع الإسلامي ويستحيل تحقيق مثله على الأرض بأي نظام آخر ولا شك أن لهذه الوحدة الجامعة مقومات كثيرة أهمها العقيدة الواحدة، والصراط التشريعي الواحد، وإلغاء الفوارق والامتيازات الخاصة، وجعل التفاضل للتقوى والعمل الصالح، وجعل الإحسان والبر والصلة فرضا واجبا، بل وإلزام المعروف من رد السلام وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإكرام الضيف، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس، وتحريم أخذ أجر على الشفاعة، والشهادة، والكفالة لأنها حقوق مفروضة واجبة للمسلم على المسلم يجب أن يبذلها بغير أجر أو عوض، وكذلك تحريم كل ما يقطع الصلة بين المسلم والمسلم كالغيبة والهجران وإيذاء الجار، والفحش والتفحش، وصنع الفضل والإحسان الميسور، وتحريم الغش والنجش، والبيع على البيع، والخطبة على الخطبة، وأكل مال المسلم بغير حق أو بباطل كالقمار، والربا، والمقصود أن الشريعة المطهرة قد حرمت كل ما من شأنه أن يقطع صلة المسلم بأخيه المسلم كما أنها ألزمت وأوجبت كل ما يؤدي إلى ربط صلة المسلم بأخيه المسلم ومحبته له مما يستطيع المسلم بذله دون كلفة ومشقة