فكيف لو ظل المسلمين ملازمين لتشريعاته وأوامره؟ إذا لكان النمط الإنساني الإسلامي المعاصر هو نفسه ذلك النمط والنموذج الفريد الذي كان في صدر الإسلام ولكان المجتمع الإسلامي المعاصر هو نفسه ذلك المجتمع الفريد الذي كان في عهد صدر الإسلام.
(ب) الأمة الإسلامية أمة العقيدة والهدف العظيم:
الأساس الثاني الذي أرساه الله سبحانه وتعالى لتقام عليه الأمة الصالحة هو بناء الأمة وفق معتقد واحد.
وجعل هذا المعتقد هو نقطة البداية في البناء، وكذلك هو نقطة النهاية في الغاية. وذلك أن الأمة الإسلامية تبنى أول ما تبنى حول عقيدة الإسلام، وعلى أساس من تحقيق غاية الخالق من الخلق، وهذه العقيدة التي جمع الرسول الناس أول ما جمعهم عليها هي توحيد الله سبحانه، والإيمان به، وتكريس النفس على عبادته وطاعته.
قال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} (الأنعام:163) . فكانت دعوة الرسول في بدايتها وكذلك في غاياتها هي الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له وكان اجتماع الناس وائتلافهم وبناء نظام حياتهم، وأسس اجتماعهم وفق هذه الغاية. فالعقيدة هي التي جمعت بين الأسود والأبيض، والحر والعبد، والذكر والأنثى، والعربي وغيره، والنظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي كل ذلك بني وفق هذا المعتقد.
وتوجه المجتمع بكلية نحو هذا الهدف أيضا. بل كأن البناء كله إنما كان للدعوة إلى هذا الأمر. قال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} (آل عمران:110) .
فكأن الله لم يخرج هذه الأمة إلا لتؤمن بالله وتدعو إليه وتأمر بالخير، وتنهى عن الشر.
وهكذا كان الأساس الثاني لقيام الأمة الإسلامية أن تكون أمة عقيدة واحدة ومبدأ واحد أظهره الله وهدى المسلمين إليه. وبهذا تفترق الأمة الإسلامية عن كل أمم الأرض المعاصرة تقريبا حين يقوم نظام اجتماعها وفق معايير شتى كالاشتراك في الوطن، أو الاشتراك في الأصل والجنس، أو الوقوع تحت القهر والظلم لبعض المتغلبين، أو الاجتماع من أجل الحياة وحدها والعيش فقط كما هو نظام الأمم الغربية والأمريكية الآن حيث يقوم نظام اجتماعها وبناء دساتيرها على الحياة وحدها فكأنهم أقوام يعيشون ويأكلون ويشربون ويمرحون، دون أن يكون هناك أدنى تشريع لمعتقد أو هدف سام شريف، أو غاية عظيمة إلا الاستمتاع بهذه الحياة، وتمضية الأعمار والأوقات. فنظام عمرانهم