الصفحة 177 من 708

""""""صفحة رقم 182""""""

القرآن ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وسلّم وما وقع في مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لمافيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلّم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف ، وأول من أحدث فعل ذلك صاحب اربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي ابن بكتكين أحد الملوك الأمجاد والكبراء الأجواد وكان له آثار حسنة ، وهو الذي عمر الجامع المظفري بسفح قاسيون ، قال ابن كثير في تاريخه: كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالًا هائلًا وكان شهمًا شجاعًا بطلًا عاقلًا عالمًا عادلًا رحمه الله وأكرم مثواه ، قال: وقد صنف له الشيخ أبو الخطاب بن دحية مجلدًا في المولد النبوي سماه التنوير في مولد البشير النذير فأجازه على ذلك بألف دينار ، وقد طالت مدته في الملك إلى أن مات وهو محاصر للفرنج بمدينة عكا سنة ثلاثين وستمائة محمود السيرة والسريرة .

وقال سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان: حكي بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد أنه عد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس غنم مشوي وعشرة آلاف دجاجة ومائة فرس ومائة ألف زبدية وثلاثين ألف صحن حلوى ، قال: وكان ينحصر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع عليهم ويطلق لهم ويعمل للصوفية سماعًا من الظهر إلى الفجر ويرقص بنفسه معهم ، وكان يصرف على المولد في كل سنة ثلثمائة ألف دينار ، وكانت له دار ضيافة للوافدين من أي جهة على أي صفة ، فكان يصرف على هذه الدار في كل سنة مائة ألف دينار ، وكان يستفك من الفرنج في كل سنة أسارى بمائتي ألف دينار ، وكان يصرف على الحرمين والمياه بدرب الحجاز في كل سنة ثلاثين ألف دينار ، هذا كله سوى صدقات السر ، وحكت زوجته ربيعة خاتون بنت أيوب أخت الملك الناصر صلاح الدين أن قميصه كان من كرباس غليظ لا يساوي خمسة دراهم قالت: فعاتبته في ذلك فقال: لبسي ثوبًا بخمسة وأتصدق بالباقي خير من أن ألبس ثوبًا مثمنًا وأدع الفقير والمسكين .

وقال ابن خلكان في ترجمة الحافظ أبي الخطاب بن دحية: كان من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء . قدم من المغرب فدخل الشام والعراق واجتاز باربل سنة أربع وستمائة فوجد ملكها المعظم مظفر الدين بن زين الدين تعتني بالمولد النبوي فعمل له كتاب التنوير في مولد البشير النذير وقرأه عليه بنفسه فأجازه بألف دينار قال: وقد سمعناه على السلطان في ستة مجالس في سنة خمس وعشرين وستمائة انتهى .

وقد ادعى الشيخ تاج الدين عمر بن علي اللخمي السكندري المشهور بالفاكهاني من متأخري المالكية أن عمل المولد بدعة مذمومة وألف في ذلك كتابًا سماه المورد في الكلام على عمل المولد وأنا أسوقه هنا برمته وأتكلم عليه حرفًا حرفًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت