فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 31

هذا شاب.. عشق شخصًا فاشتد كلفه به وتمكن حبه من قلبه.. حتى وقع ألما به ولزم الفراش بسببه.. وتمنع ذلك الشخص عليه واشتد نفاره عنه.. فلم تزل الوسائط يمشون بينهما حتى وعده أن يعوده.. فأخبر بذلك البائس ففرح واشتد سروره.. وانجلى غمه وجعل ينتظر للمعياد الذي ضربه له فبينا هو كذلك إذ جاءه الساعي بينهما..

فقال: إنه وصل معي إلى بعض الطريق.. ورجع فرغبت إليه وكلمته..

فقال: إنه ذكرني وبرح بي ولا أدخل مداخل الريب ولا أعرض نفسي لمواقع التهم.. فعاودته فأبى وانصرف..

فلما سمع البائس ذلك أسقط في يده.. وعاد إلى أشد مما كان به.. وبدت عليه علائم الموت فجعل يقول في تلك الحال:

أسلمُ يا راحة العليل * ويا شفاء المُدْنف النحيل

حبك أشهى إلى فؤادي * من رحمة الخالق الجليل

فقلت له: يا فلان.. اتق الله..

قال: قد كان.. فقمت عنه فما جاوزت باب داره حتى سمعت صيحة الموت.. فعياذا بالله من سوء العاقبة وشؤم الخاتمة..

وذكر ابن القيم في كتابه الجواب الكافي.. أن مؤذنًا كان ببغداد..

نعوذ بالله من مثل هذا الحال..

لذا..

كان للسلف في الحرص على غض البصر شأن عجيب..

خرج حسان بن أبي سنان يوم عيد..

وكان محمد بن واسع يأتي إلى صديق له فإذا طرق الباب.. صاحبك الأعمى..

نعم.. هؤلاء كان لهم أبصار.. وعندهم غرائز.. ونفوسهم تشتهي الملذات..

لكنهم.. يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار..

ومن تساهل بالنظرة الأولى.. ولم يسارع إلى علاج نفسه..

وقع في الداهية العظمى وهي تعلق القلب.. فإذا تمكن المحبوب من القلب بدأ المحب يستحسن كل ما يقع منه.. وتعجبه حركاته.. وتثيره ضحكاته..

ويفتن بابتسامته.. ويأنس بمجالسته..

بل.. ويُعجب منه بكل شيء وإن كان قبيحًا..

كما ذكروا أن رجلًا كان يحب امرأة سوداء.. فلما تمكن حبها من قلبه.. صار كل سواد يذكره بها.. فأحب كل شيء أسود.. وكان يتغزّل بها ويقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت