فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 14

وعند الترمذي أيضًا عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام» محاسبةً لهم على أموالهم..

وكان كثير من السلف يرون أن ملاذ الدنيا وشهواتها والاستمتاع فيها يعد تعجيلًا لثواب صاحبها..

فقد دخل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرآه متوسدًا مضطجعًا على رمال حصير، وليس في البيت إلا صبره من قرض، واهية معلقة، فابتدرت عينا عمر بالبكاء، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما يبكيك يا عمر؟» فقال: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هام فيه، وأنت صفوة الله من خلقه؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «أوفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا» [رواه البخاري] .

وكان - رضي الله عنه - يقول: لولا أن تنقص من حسناتي لخالطتكم في لين عيشكم، ولكن سمعت الله عَيَّر قومًا فقال: { أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا } [الأحقاف: 20] .

قال الفضيل بن عياض: إن شئت استقلل من الدنيا، وإن شئت استكثر منها، فإنما تأخذ من كيسك [1] .

ولا يشمل ذلك بالطبع من جمع المال وسخره لمرضاة خالقه، ومنجاته يوم حسابه.. ففي الصحيحين عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا، وقليل ما هم» [متفق عليه] ، أي أنفقه في أوجه الخير..

* ومنها أن سيعلم أن في القناعة راحة النفس وسلامة الصدر واطمئنان القلب..

فالقنوع لا ينظر إلى ما في أيدي الناس، ولا إلى ما عندهم من الرزق.. فهو طيب النفس، ومرتاح البال، ومطمئن القلب.. بعيدًا عن الحسد والتباغض.. لأن الحسد لا يأتي إلا من نفس مريضة خبيثة، ترى ما في أيدي الناس ولا ترى ما في يدها..

(1) جامع العلوم والحكم (293) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت