الصفحة 48 من 51

ومن انتسب للأحزاب العلمانية ليس له رزق جاري من الدولة حتى يقع بمثل هذا الكفر، ولا تركه للعمل عندهم يضر بحاله، فهو أصلا لا يعمل عندهم، لذا مثل هذا؛ الواجب عليه أن يبحث عن عمل لا يضر بدينه، لا أن يدخل بالكفر ثم يدعي الإكراه، ففرق بين المسألتين.

لذا لم يعذر الله تعالى من ادعى الإستضعاف وهو قادر على الهجرة، لأن تركه للهجرة مع قدرته عليها كان سببا في استضعافه، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا} ، فلم يعذرهم الله تعالى وعذبهم، مع أنهم كانوا مستضعفين حقيقة، ولكن لما كانوا قادرين على دفع هذا الإستضعاف لم يكن لهم حجة في استضعافهم.

ومثل هؤلاء؛ يريدون أن ينتسبوا للكفار بغير إكراه، ثم يعتذروا بعد ذلك بالإكراه، فعندها لا عذر لهم إذا دخلوا في الكفر، بخلاف من كان له عذر ولم يدخل في الكفر ثم وقع عليه الإكراه، فعندها جاز له الإحتجاج بالإكراه.

فتدبر الفرق بين المسألتين يتبين لك عدل الله تعالى وحكمته في التفريق بين من وقع في الكفر بغير إكراه ثم أكره وأنه لا عذر له عندها، وبين من أكره على الكفر من غير دخول في الكفر.

فكلام شيخ الإسلام في وادي والإحتجاج به على ما ذكرتم من صورة في واد آخر.

وكلتا الصورتين ذكرهما النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب) ، قالوا: كيف يا رسول الله؟! قال: (مر رجلان على قوم لهم صنم، لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئًا، فقالوا لأحدهما: قرب. قال: ليس عندي شئ أقرب. قالوا له: قرب ولو ذبابًا. فقرب ذبابًا. فخلوا سبيله، فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب، فقال: ما كنت لا أقرب لأحد شيئًا دون الله عز وجل. فضربوا عنقه، فدخل الجنة) [رواه أحمد] .

فالرجل الذي قرب ذبابة كان في حال إكراه، ولكن لما شرح بالكفر صدرا لم يكن للإكراه تأثير في منع الكفر، وهكذا من انتسب للأحزاب الكفرية من أجل الدنيا؛ فهو في حال انتسابه لم يكن مكرها، لذا لا تأثير لحال الإكراه لو أكره من أجل دنياه بعد ذلك، لأنه دخل الكفر بغير إكراه.

والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت