ولكن هنا مسألة يجب التنبه لها؛ وهي الفرق بين من أنكر وجوب جهاد الدفع، فمثل هذا يكفر بالإجماع. ولكن من أقر بوجوب جهاد الدفع، ولكن قال؛ بأن أهل العراق لا يجب عليهم الجهاد - بحجة عدم القدرة أو عدم وضوح الراية أو غيرها من الأعذار الواهية - فمثل هذا ظاهرا لا يكفر، ولكن محكوم عليه بالنفاق، فهو ممن ذكرهم الله تعالى في كتابه بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ، وقوله تعالى عنهم: {وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} ، وقوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} ، وقوله تعالى: {وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَاذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ} ، وقال تعالى: {لاَ يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} .
أخي الفاضل كل من ترك الجهاد الواجب - في مثل حالكم - وهو قادر على الجهاد، فهو منافق بنصوص الكتاب التي ذكرناها، يجب الحذر منه أشد الحذر.
فالمنافقون الذي ذكرهم الله تعالى في هذه الآيات وغيرها كثير لم يكونوا ينكرون الجهاد - سواء طلبا أو دفعا - ولكن كانوا إذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنفير تقاعسوا وكسلوا عن الخروج للجهاد، ومثل هذا قد يقع من بعض الصالحين، كما حدث مع كعب بن مالك وهلال بن أمية ومن معهم، ولكن لا يكون هذا الترك ديدن لهم، كحال المنافقين اليوم والذين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فالصحابة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك شهدوا اكثر المواقع مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأما المنافقون؛ فكانوا يتكاسلون ويتركون الجهاد ويستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم في عدم الخروج ويتعذرون بأعذار هي عينها أعذار منافقي اليوم. فمثل هذا الصنف أقرب للكفر من الإيمان.
قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: (والمنافقون في الدرك الأسفل من النار وان كانوا في الدنيا مسلمين ظاهرا تجرى عليهم أحكام الاسلام الظاهرة، فمن كان فيه إيمان ونفاق يسمى مسلما اذ ليس هو دون المنافق المحض، واذا كان نفاقه أغلب لم يستحق اسم الإيمان بل إسم المنافق أحق به، فان ما فيه بياض وسواد وسواده أكثر من بياضه هو باسم الأسود أحق منه باسم الأبيض، كما قال تعالى: {هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان} ، وأما اذا كان ايمانه أغلب ومعه نفاق يستحق به الوعيد لم يكن أيضا من المؤمنين الموعودين بالجنة) .