وعلة إعطائهم نصف الدية، أنهم ظاهرا مسلمون لإعتصامهم بالسجود، ولكن لما أقاموا مع المشركين وتركوا الهجرة الواجبة عليهم وكانوا عرضة للقتل من المسلمين لإقامتهم في دار الكفر، ذلك كل من يتردد على الكفار وهو يعلم أنه عرضة للقتل، كما أن الكفار معرضون للقتل فهذا ليس له إلا نصف الدية، كما في هذا الحديث، لإتحاد العلة بينه وبين من اعتصم بالسجود ليثبت إسلامه مع إقامته في دار الكفر.
قال الشافعي رحمه الله: أخبرنا مروان عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: لجأ قوم إلى خثعم فلما غشيهم المسلمون استعصموا بالسجود فقتلوا بعضهم، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (أعطوهم نصف العقل لصلاتهم) ، ثم قال عند ذلك: (إلا أني بريء من كل مسلم مع مشرك) ، قالوا: يا رسول الله لم؟ قال: (لا تراءى ناراهما) .
وقال البيهقي - كما في السنن الكبرى: (قال الشافعي؛ إن كان هذا ثبت فأحسب النبي صلى الله عليه وسلم - والله أعلم - أعطى من أعطى منهم متطوعا، وأعلمهم أنه بريئ من كل مسلم مع مشرك - والله أعلم - في دار شرك، ليعلمهم أن لا ديات لهم ولا قود) .
القسم الثالث: من قتله المسلمون خطأ في القتال، فهذا له الدية كاملة كما هو ظاهر الآية.
قال الشافعي: أخبرنا مطرف عن معمر عن الزهري عن عروة قال: كان أبو حذيفة بن اليمان شيخا كبيرا، فرفع في الآطام مع النساء يوم أحد، فخرج يتعرض للشهادة، فجاء من ناحية المشركين، فابتدره المسلمون فنشقوه بأسيافهم - وحذيفة يقول؛ (أبي .. أبي ... ) ، فلا يسمعونه من شغل الحرب حتى قتلوه، فقال حذيفة: (يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين) ، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم في بديته.
وأخرج الحاكم في مستدركه عن محمود بن لبيد، قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد، وقع اليمان بن جابر - أبو حذيفة - وثابت بن وقش بن زعوراء في الآطام مع النساء والصبيان، فقال أحدهما لصاحبه - وهما شيخان كبيران: (لا أبا لك ما ننتظر؟! فوالله ما بقي لواحد منا من عمره إلا ظمأ حمار، إنما نحن هامة القوم ألا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم) ، فدخلا في المسلمين ولا يعلمون بهما، فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون، وأما أبو حذيفة فاختلفت عليه أسياف المسلمين، فقتلوه، ولا يعرفونه، فقال حذيفة: (أبي ... أبي ... ) ، فقالوا: (والله ما عرفناه) ، وصدقوا، فقال حذيفة: (يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) ، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يديه، فتصدق به حذيفة على المسلمين، فزاده ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.