وهل غفل أعداء الإسلام يوما عن الكيد له! إن الغزو الصليبى الأول ظل طيلة قرنين عنيدا في محاولاته اليائسة يبغى أن يجتث أصوله، فلما ارتد مدحورا عاد أدراجه ليتأهب لا ليستريح.... فلما كر بعد إعداد طويل لم يكن في المرة الأخيرة وحده، بل كانت معه الصهيونية الحانقة، وقد حشدت بنى إسرائيل معها... نعم!. بنى إسرائيل! قد تقول: ومن أين جىء بهم بعد ما مزقوا شر ممزق، وحاقت بهم لعنة الله فنبت بهم البلاد، وأوغرت عليهم صدور العباد؟ والجواب أن اليهود لم يفكروا منذ كسر الصحابة شوكتهم في القرن الأول أن يدخلوا مع المسلمين في حرب ما، ومرت أحد عشر قرنا من تاريخ الإسلام، واليهود لا يخطر بأنفسهم- ولو مع الأمانى الطائشة- أن يدخلوا مع المسلمين في حرب أبدا، وكيف وحسبهم النجاء حيث كانوا؟ حتى رأوا بأعينهم الأمة المرهوبة تضمحل، وتذوى فضائلها، ويذل جانبها، وتهز الفتن الماحقة كيانها، فعلموا أن أمرها أدبر، وأن غضب السماء إذا كان قد نزل بهم مرة، فقد نزل بعدوهم مرة ومرة. ومن ثم تحرشوا بالمسلمين، وما زالوا يناوشونهم حتى اغتصبوا منهم فلسطين، ثم تمادى الغرور بهم حتى صاروا يزعمون أن أرض إسرائيل من الفرات إلى النيل! أرأيت كيف كنا وإلى أين انتهينا؟ فهل ظلمنا ربك؟ كلا. ولكنه أنزلنا على سننه الخالدة، كما أنزل غيرنا من الأم. إن الله لم يكره من اليهود أنهم دم معين، وإنما كره منهم أخلاقا إذا تحولت إلى غيرهم تحولت معها الكراهية إليهم... لقد انتصر السابقون الأولون من المسلمين لأن أسباب النصر المادية والأدبية ترعرعت في بيئتهم حين ضفرت منها بيئات أخرى. فانظر إلى أحوال أمتنا من خلال هذه الصور التى أعرضها عليك.. لم يبخل اليهود بالمال لإنجاح قضيتهم، بل عرفوا كيف يكسبونه كثيرا وفيرا، وينفقونه كثيرا وفيرا كذلك لبلوغ مآربهم وتحقيق آمالهم، فعندما نهض زعيم الصهيونية الكبير (هرتزل) لينشر دعايته في ربوع العالم، التقى بالبارون (دى هيرش)