فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 67

والبعضُ يعتمدُ على فتاوى من يُسمَّون بموظَّفي اللجان الشرعية عند البنوك في العالم الإسلامي , ومِمَّن نَصَبَ نفسه مفتيًا لها ولأسهمها ومعاملاتها , مع مُعارضة الكثير منها لفتاوى العلماء الْمُعتبرين .

فيقع بذلك الفساد لثلاثة أوجه:

الأول: أصحاب البنوك , يقولون: لولا أنَّا على صواب لأنكر علينا موظَّفو هذه اللجان الشرعية , وكيف لا نكون مصيبين وهم يأكلون من أموالنا , ويعملون لدينا ؟! .

الثاني: العوام وضعاف النفوس , فإنهم يقولون: لا بأس بالمساهمة والتعامل مع هذه البنوك , فإنَّ موظَّفي هذه اللجان الشرعية لا يبرحون عندهم .

والثالث: موظفو اللجان الشرعية حيث حملوا أوزارهم وأوزارًا مع أوزارهم .

قال شيخنا صالح بن فوزان الفوزان وفقه الله تعالى: ( والله أنا لا أعرف هذه الهيئات الشرعية , وأخشى أنها مسألة حيلة فقط , أو أنهم يختصون ناسًا يوافقونهم على رغبتهم , يُحضِّرون ناسًا باسم طلبة علم على رغبتهم , يُوافقونهم ويُعطونهم شهادة شرعية , أنا أخشى من هذا , إذا كانوا صادقين أنهم يتحرَّون الشرع , لماذا لا يسألون اللجنة الدائمة , أو هيئة كبار العلماء , إذا كانوا سيحترزون من الحرام , أم إنهم يُكوِّنون لجنة من عندهم , لجنة هم الذين يشكلونها على رغبتهم , فأنا ما أثق من هذا العمل , ولا أرى الاعتماد عليه ) (1)

(1) الرِّبا وبعض صوره المعاصرة ص42 .

وصدقَ شيخنا حفظه الله ( لماذا لا يسألون اللجنة الدائمة , أو هيئة كبار العلماء ) فقد كان من هدي السلف الصالح كما قال الإمام ابن المُبارك رحمه الله تعالى: ( كان فقهاء أهل المدينة الذين كانوا يصدرون عن رأيهم سبعة: ابن المسيب , وسليمان بن يسار , وسالم , والقاسم , وعروة , وعبيد الله بن عبد الله , وخارجة بن زيد , وكانوا إذا جاءتهم مسألة دخلوا فيها جميعًا فنظروا فيها ) سير أعلام النبلاء للذهبي ج4/461 , تهذيب التهذيب لابن حجر ج3/378 , فتح المغيث للسخاوي ج3/159 .

وأيضًا: مما يدلُّ على سَعة فقه شيخنا - حفظه الله - في قوله: ( لماذا لا يسألون اللجنة الدائمة , أو هيئة كبار العلماء ) حيث أنَّ ولي الأمر في هذه البلاد - حفظها الله بالإسلام - قَصَرَ الفتيا في الأمور العامة على هيئة كبار العلماء وعلى اللجنة الدائمة للإفتاء , وهذا أيضًا له أصله الشرعيُّ من سُنة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه , فعن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى قالَ: ( قالَ عُمَرُ رضي الله عنه لابنِ مسعودٍ أَلَمْ أُنَبَّأْ , أو أُنبئتُ أنَّكَ تُفتِي وَلَستَ بأمير , وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قارَّهَا ) أخرجه الدارمي واللفظ له ح175 بابُ: الفتيا وما فيه من الشِّدَّةِ ص77 , وعبد الرزاق في مصنفه ح15293 , وابن عبد البر في الجامع ج2/143 , والذهبي في السير ج2/495 .

قال أبو داود في سننه ح4481: ( وقال الأصمعي: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قارَّهَا: ولِّ شديدَها مَنْ تَوَلَّى هَيِّنَهَا ) .

قال الذهبي رحمه الله تعالى: ( يَدلُّ على أنَّ مذهبَ عمر رضي الله عنه: أن يَمنع الإمامُ من أفتى بلا إذن ) السير ج2/495 .

وروى الإمام المروزي في ( ما رواه الأكابر ح47 ص61 ) : عن ابن وهب قال: ( سمعتُ مناديًا يُنادي بالمدينة: ألا لا يُفتي الناسَ إلا مالكُ بن أنس , وابن أبي ذئب ) وانظر: العلو للعلي الغفار للذهبي ح351 ج2/967 وفيه: ( نُودي مرَّة بالمدينة بأمر المنصور .. ) .

وقال أبو الوليد الباجي: قال ابن وهب: ( حججتُ سنة ثمان وأربعين ومائة , وصائحٌ يَصيحُ: لا يُفتي الناسَ إلا مالكُ بن أنس , وعبد العزيز بن أبي سلمة ) التعديل والتجريح ج2/699 , وانظر: تاريخ بغداد ج10/436 , المنتظم لابن الجوزي ج8/275 .

وروى الإمام البخاري رحمه الله في تاريخه ح2999 عن عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان قال: ( أخبرني أبي: أذكرهم في زمان بني أمية صائحًا يصيحُ: ألا لا يُفتي الناسَ إلا عطاءُ , فإن لم يكن عطاء فابن أبي نجيح ) وانظر: أخبار مكة للفاكهي ح1643 ج2/347 , طبقات الفقهاء للشيرازي ص57 , تهذيب الكمال للمزي ج20/78 , تاريخ مدينة دمشق ج40/385 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت