وإن كان قد فات حسان بن ثابت رضي الله عنه شرف الجهاد بالسيف في هذه الغزوة وغيرها ، إلا أنه لم يفته شرف الكلمة القوية في تخليد ذكرى بطولات المسلمين في هذه الغزوة و غيرها .
لقد كان حسان من أصحاب الأعذار ، فقد ذكر الكلبي كما نقله عنه ابن عساكر في تاريخه (4/140) أن الجبن لم يكن من عادة حسان ، بل كان شجاعًا لسنًا ، فأصابته عليه منعته من شهود القتال .
و أوضح الواقدي كما نقله عنه الأصفهاني في أغانيه (4/16) هذه العلة ، و هي أن أكحله - و هو عرق في اليد - كان قد قطع ، فلم يكن يستطيع الضرب بيده .
و هذا يفسر لنا الروايات التي وردت في تخلفه عن القتال ، ولم تأت قصة حسان مع صفية رضي الله عنها بطريق صحيح يحتج بها ، و مما يجعلنا نقبل رواية الواقدي والكلبي - على بما بها من علل - أننا نعلم أن حسانًا كان يهاجي الشعراء في الجاهلية والإسلام ، و لم يرمه أحد منهم بجبن ، و لو كان مثل حديث الطبراني صحيحًا لكان مما يذكر في الشعر و يذم به كما ذم هو غير واحد و هجاه بالفرار من القتال والجبن .
إضافة إلى أن عدم شهود حسان رضي الله عنه القتال كان لكبر سنه كما ذكر محققا سيرة ابن هشام . انظر: كلامهما وكلام الخشني عند ابن هشام (3/318 ) . وانظر أيضًا: كلام السهيلي في روضه (3/281 ) .
وزاد ابن عبد البر على ما قيل في تفسير تخلف حسان عن المواقع كما في الدرر ( ص 186 ) فقال: .. وَ لَهُجِيَ بذلك ابنه عبد الرحمن ، فإنه كان كثيرًا ما يهاجي الشعراء العرب مثل النجاشي و غيره .
و الله أعلم بالصواب و الحمد لله رب العالمين ..
أخوكم: أبو عبد الله الذهبي ..
الحلقة التاسعة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، ثم أما بعد:-