وما ساد المسلمون إلا يوم أن قهروا نوازع الخوف، وقتلوا بواعث القعود، وعرفتهم ميادين الموت أبطالا يردون الغمرات ويركبون الصعاب. وما طمع الطامعون فيهم إلا يوم أن أخلدوا إلى الأرض، وأحبوا معيشة السلم، وكرهوا أن يدفعوا ضرائب الدم والمال. وهى ضرائب لابد منها لحماية الحق وصيانة الشرف، ولا بد منها لمنع الحرب وتأييد السلام، إن كرهنا الحرب وأحببنا السلام... إن كثيرًا من المسلمين يحبون أن يعيشوا معيشة الراحة والهدوء والاستكانة برغم ما يهدد بلادهم من أخطار، وما يكتنف مستقبلهم من ظلمات، وحسبهم من الدنيا أن يبحثوا عن الطعام والكسوة، فإذا وجدوا من ذلك ما يسد المعدة ويوارى السوأة فقد وجدوا أصول الحياة، واستغنوا عن فضولها! وتلك لعمرى أحقر حياة وأذلها، وما يليق ذلك بأمة كريمة على نفسها، بله أمة كريمة على الله أورثها كتابه وكلفها أن تعمل به وأن تدعو الناس إليه! ألم يسمع هؤلاء أنباء الحروب العظيمة التى دارت رحاها في الغرب؟ ألم يروا ضروب البسالة وألوان التضحية التى كان يبذلها كل فريق؟ ألم يروا كيف أن جنودا تنتحر ولا تستسلم للأسر، وأن فرقا من الفدائيين كانت تقف حياتها على المهمات القاتلة، فهم يدفعون أرواحهم ثمنا لها، في غير وجل أو تردد. فأى حياة ترجوها الشعوب الخوارة والكسول إلى جانب هؤلاء؟ وأى نصر يطلبه أهل الحق إذا أغلوا حياتهم على حين يرخص أهل الباطل أنفسهم في سبيل ما يطلبون؟ وإذا ضننا على القه بضريبة الدم والمال، فما طمعنا في نصرته أو أملنا في جنته، وهو القائل: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون) . إن الإسلام دين فداء ودين استشهاد. عرفه كذلك أسلافنا الأمجاد فأحرقوا أعصابهم وعظامهم في سبيل الله، لا يبالون بالموت! كيف وهو الذى يطلبون، وفيه ص _011