وهي أنواعٌ كثيرة، كثيرٌ من الناس يظنون أن الجود إنما هو بالمال، ولا شك أن الجود بالمال هو من أنفع أنواع الجود ومن أشهرها، ولكن الجود أوسع من ذلك وأعم.
فأول أنواع الجود الجود بالنفس، وهو أعظم أنواع الجود:
يجود بالنفس إذ ظن البخيل بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجودِ
ج ... ... ج
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتمنى أن يقتل في سبيل الله، ثم يحيا ثم يقتل ثم يحيا ثم يقتل، ويقول عبد الله بن حذافة السهمي -رضي الله تعالى عنه- حينما غلي له الزيت عند ملك الروم، وطالبوه بأن يرتد عن دينه، فلما رأى الزيت المغلي بكى، فظنوا أنه رقَّ، وأنه هاب الموت، فقال: وددتُ أن لي مائة نفس، أي أنه يبذل هذه النفوس في سبيل الله -عز وجل-.
وأفضل الشهداء كما هو معلوم حمزة بن عبد المطلب، ورجلٌ قام إلى ذي سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله.
ونحن نعلم أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في ليلة الهجرة عمد إلى فراش النبي -صلى الله عليه وسلم- فبات فيه، وهذه لا شك أنها تضحية بالنفس؛ لأن هؤلاء قد اجتمعوا على بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريدون قتله، فلربما اقتحموه في أي ساعة في تلك الليلة، وهم لا يشكون أن الذي بات في فراشه أنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ففدى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بنفسه.
وهكذا وقع لبعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد لما هزم المسلمون وكسروا في أرض المعركة، فجاء الواحد منهم يحمي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بجسده، وقد أصيب بعضهم بسهمٍ في كفه فشلت، وكان يطلب من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن لا يتطاول للنظر عند الرمي مخافة أن يصيبه شيءٌ من العدو، ويقول له:"نحري دون نحرك يا رسول الله".
وترس أبو دجانة -رضي الله تعالى عنه- على النبي -صلى الله عليه وسلم- بنفسه، فكان النبل يقع في ظهره وهو منحنٍ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى كثر النبل فيه.