منهج اختيار المصادر
لم يكن اختيار المقدسي لمصادره خبط عشواء، بل كان وفق أسس منهجية لا زالت معتبرة حتى عصرنا الحاضر. وتتلخص تلك الأسس في أمرين:-
أولًا: التخصص التأليفي للمصدر. ثانيًا: اختيار المصدر الأقدم.
وقبل أن نذكر دلائل تلك الأسس يجدر بنا التنبيه على أن اتباع المقدسي لتلك الأسس لا يعني أننا نوافقه تمامًا علي جميع اختياراته لمصادره، وإن كان بلا شك موفقًا في أغلبها.
أولًا: التخصص التأليفي للمصدر
وهذا يتضح باستقراء موجز لمصادر المقدسي في موضوعات الكتاب المختلفة، وبيان ذلك أنه في الفصل الأول: الذي كان مقدمة فلسفية اختار مصادره فلاسفة اليونان، ومتكلمة الإسلام. وفي الفصول التالية والتي تناول فيها توحيد الله، ثم أسماءه وصفاته، ثم مباحث النبوة، استمرت المصادر الفلسفية والكلامية كأسس لاختياره، ثم القران الكريم، وكتب أهل الديانات. وفي موضوعات بدء الخلق وكيفيته، شهد تنوعًا نوعيًا في المصادر لتفرع المقدسي واستطراده في عرض مسائل فلسفية، مع أنه موضوع تاريخي في المقام الأول، ولهذا وجدناه يذكر مصادر الفلاسفة والمتكلمين، والقران الكريم، ومصادر التفسير والحديث، وبعض المصادر التاريخية مثل: وهب بن منبه، وأبي حذيفة إسحاق بن بشر، ثم محمد بن إسحاق. وفي الفصل التاسع: المخصص لذكر الفتن وقيام الساعة وأحداثها، كانت مصادر الحديث النبوي هي الأغلب، خاصة من كتاب الفتن لنعيم بن حماد، ثم القران الكريم، ومصادر التفسير. وفي قصص الأنبياء، اختار المقدسي: القران الكريم، ومصادر التفسير والحديث، ووهب بن منبه، وابن إسحاق، وأبا حذيفة، ثم الواقدي. أما السيرة النبوية، فقد اختار المقدسي: القران الكريم، ومصادر التفسير والحديث، وابن إسحاق، والواقدي. وفي تاريخ الخلفاء، اختار المقدسي الواقدي، ثم ابن إسحاق. وفي تاريخ العرب والأنساب، اختار محمد بن إسحاق. وفي الفصل الجغرافي: اختار المصادر الجغرافية، مثل: المسالك والممالك وكتاب البنيان والعمران. وأما في الديانات والفرق، فقد اختار: الكتب المقدسة، وكتب الديانات والمتكلمين. وهكذا نجد اهتمام المقدسي بالتخصص التأليفي في أكثر مصادره، لذلك اعتمد