وأتت السيطرة البويهية (334 هـ945م) [1] لتقضي على البقية الباقية من هيبة ومكانة الخلافة، حتى إن البويهين فكروا في إلغاء الخلافة العباسية، لكنهم آثروا إبقاءها مع إحكام القبضة عليها، حتى لا يستعدوا عليهم الناس وليس هذا بغريب على قوم شيعة ينظرون إلى العباسيين كمغتصبين للخلافة من العلويين. [2] وأما عن تمزق بلاد الإسلام، فقد نصب لأول مرة في تاريخنا ثلاث خلفاء في ديار الإسلام، فإلى جانب الخلافة العباسية ببغداد قامت الخلافة الأموية بالأندلس، [3] والفاطمية في المغرب ومصر والشام. [4] واقتسمت بقية الدول المستقلة سائر بلاد الإسلام، [5] ولم تكد الحروب تضع أوزارها بين تلك الدول بسبب الأطماع السياسية والاقتصادية لأمرائها. [6]
(1) تنسب الدولة البويهية إلى بويه بن فناخسرو بن تمام، من سلالة سابور ذي الأكتاف الساساني، ارتقى أبناء بويه: على، والحسن، وأحمد، من جنود في جيش الديلم إلى قواد عظام سيطروا على أكثر المشرق، ودخلوا بغداد سنة 334 هـ وتمكنوا من أمور الخلافة بها. انظر: ابن خلدون، تاريخه المسمى: كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوى السلطان الأكبر، بيروت، دار الكتب العلمية 1413 هـ 1992م، ج 4 ص 510 - 592، حورية عبده سلام، دراسات في تاريخ الدول الإسلامية في المشرق، القاهرة، ص69.
(2) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة، 1418هـ 1998م، ج 7 ص 207 - 208، محمود شاكر، الدولة العباسية، بيروت، المكتب الإسلامي، 1411 هـ 1991م، ج 2 ص 153 - 154.
(3) حيث أعلنها عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الأموي الملقب بـ"الناصر"في ذي الحجة 316 هـ بعد أن رأى وهن الخليفة المقتدر ووجد من نفسه أنه أحق بمنزلة الخلافة. قال الذهبي: وكان خليقًا بها. انظر: الذهبي، تاريخ الإسلام، ج 25 ص 443 - 446، ابن خلدون، التاريخ، ج 4 ص 165، محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس، القاهرة، الهيئة العامة المصرية للكتاب، 2001م، ج 2 ص 430.
(4) تنسب الدولة الفاطمية إلى السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذه النسبة حولها خلاف بين العلماء ومن لم ير صحة تلك النسبة - كالسيوطي مثلا - يسميها الدولة العبيدية إلى منشئها عبيد الله المهدي، الذي ابتدأ الدولة ببلاد المغرب 296هـ وامتدت إلى مصر والشام 358هـ واستمرت حتى 567هـ حيث ألغاها صلاح الدين الأيوبي بخلع آخر خلفائها العاضد. انظر: ابن الأثير، الكامل، ج 6 ص 446 - 463 ج 7 ص 309 - 311 ج 10 ص 33، ابن خلدون، مرجع سابق، ج 3 ص 441 - 447. ج 5ص 339، السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص 594 - 595، عبد الحليم عويس، قضية نسب الفاطميين أمام منهج النقد التاريخي، القاهرة، دار الصحوة، 1406هـ 1985م، ص 3 - 8.
(5) حيث كانت فارس في يد على بن بويه، والري وأصفهان والجبل في يد الحسن بن بويه، والموصل وديار بكر، وديار ربيعة ومضر في أيدي بني حمدان، وخراسان وبلاد ما وراء النهر وكرمان وسجستان في يد السامانيين، والبحرين في يد القرامطة. انظر: ابن طباطبا، الفخري، ص 280.
(6) كانت الحروب بين الدول المستقلة: داخلية، وخارجية. داخلية: أي فيما بين أفراد البيت الواحد كما حدث للسامانيين، والحمدانيين، والبويهيين. وخارجية: أي بين تلك الدول حيث وقعت حروب كثيرة ومتشابكة. مثل الفاطميون: الأدارسة والخوارج في أفريقيا والمغرب، والإخشيديين، والحمدانيين، والقرامطة. وحارب الحمدانيون: جيش الخلافة، والبويهيين. وحارب البويهيون السامانيين. وحارب السامانيون الخارجين عليهم في سجستان وكرمان.
انظر تفاصيل تلك الحروب في المصادر التي تناولت الحياة السياسية للقرن الرابع مثلا: ابن الأثير، مرجع سابق، ج 6 ص 446 - 506، ج 7 كله، ج 8 ص 3 - 60. أبو الفدا، المختصر في أخبار البشر، بيروت، دار الكتب العلمية، 1417 هـ 1997م، ج 1 ص 387 - 485. محمود شاكر، الدولة العباسية، ج 2 ص 115 - 199.