فجمعوه بالأسانيد التي وجدوه بها. ثم بحثوا عن أحوال الرواة بحثًا شديدًا حتى عرفوا من تقبل روايته ومن ترد ومن يتوقف في قبول روايته واتبعوا ذلك بالبحث عن المروي وحال الرواية إذ ليس كل ما يرويه من كان موسومًا بالعدالة والضبط يؤخذ به؛ لأنه قد يعرض له السهو والنسيان أو الوهم.
فإذا كان حملة الحديث ورواته يختلفون حفظًا وضبطًا وورعًا وعناية إلى غير ذلك من الأوصاف نشأ من ذلك العلم بأحوال هؤلاء الرواة تعديلًا وجرحًا وتدوين تاريخ ولادتهم وحياتهم ووفاتهم وتفرع منه علوم كثيرة من جملتها -كما قال ابن خلدون في مقدمته1- النظر في الأسانيد ومعرفة ما يجب العمل به من الأحاديث بوقوعه على السند الكامل الشروط؛ لأن العمل إنما وجب بما يغلب على الظن صدقه من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجتهد في الطرق التي تحصل ذلك الظن وهو بمعرفة رواة الحديث بالعدالة والضبط. وإنما يثبت ذلك بالنقل عن أعلام الدين بتعديلهم وبراءتهم من الجرح والغفلة ويكون لنا ذلك دليلًا على القبول أو الترك. وكذلك مراتب هؤلاء النقلة من الصحابة والتابعين وتفاوتهم في ذلك وتميزهم فيه واحدًا واحدًا وكذلك الأسانيد تتفاوت باتصالها
وانقطاعها بأن يكون الراوي لم يلق الراوي الذي نقل عنه وبسلامتها عن العلل الموهنة لها وتنتهي بالتفاوت إلى طرفين فيحكم بقبول الأعلى ورد الأسفل ويختلف في المتوسط بحسب المنقول من أئمة هذا الشأن. ولهم في ذلك ألفاظ اصطلحوا على وصفها لهذه المراتب المرتبة مثل الصحيح والحسن والضعيف والمرسل والمنقطع والمعضل والشاذ والغريب وغير ذلك من ألقابه المتداولة بينهم وبوبوا على كل واحد منها ونقلوا ما فيه من خلاف أئمة هذا الشأن أو الوفاق ثم النظر في كيفية أخذ الرواة بعضهم عن بعض بقراءة أو كتابة أو مناولة أو إجازة وتفاوت رتبها وما للعلماء في ذلك من الخلاف بالقبول والرد. ثم أتبعوا ذلك بكلام في ألفاظ تقع في متون الحديث من غريب أو مشكل أو تصحيف أو مفترق منها أو مختلف وما يناسب ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر مقدمة ابن خلدون ص368.